هل أنت إلا إصبع دميت. .. انقطع الوحي أياماً حتى قالت الكفار إن محمداً قد ودعه ربه وقلاه ، وهذا أحد أسباب نزول تلك الآية. ولمثل ما قلنا لم يروَ عنه كلام منظوم وإن كان حقاً وصدقاً كالذي قاله بعض الشعراء في التوحيد والحقائق. وقد أشار إلى نحو ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم"إن من الشعر لحكمة"وقد مر في تفسير قوله سبحانه في آخر الشعراء {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [الآية: 227] وذلك أن الشاعر يقصد لفظاً فيوافقه معنى حكمي. وبالجملة لا يخلو الشعر عن تكلف مّا ، وقد يدعوه النظم إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ ، فأين الشارع من الشاعر؟ ثم بين كون القرآن منزلاً على هذا الوجه بقوله {لتنذر} يا محمد أو لينذر هو أي القرآن {من كان حياً} عاقلاً متأملاً. ويجوز أن تكون الحياة عبارة عن الإيمان ، أو المراد بالحي من يؤل حاله إلى الإيمان. أو المراد بالإنذار الانتفاع به مثل {هدى للمتقين} [البقرة: 2] {إنما تنذر من اتبع الذكر} [يس: 11] وقوله {ويحق القول} كقوله في أول السورة {لقد حق القول} وقد مر وهذا كلام مطابق من حيث المعنى كأنه قال: لتنذر من كان حياً ويحق القول على من كان ميتاً لأن الكافر في عداد الموتى. ثم عاد إلى تقرير دلائل الوحدانية مع تعداد النعم فقال {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت} أي من جملة ما عملته {أيدينا} فاستعار عمل الأيدي لتفرده بالأحداث والإيجاد مع اشتمال المحدث والموجد على غرائب وعجائب حتى قال فيه {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} [الغاشية: 17] وقوله {فهم لها مالكون} إشارة إلى اتمام الإنعام في خلق الأنعام. وقوله {وذللناها لهم} إشارة إلى ما فوق التمام فقد يملك الشيء ولا يكون مسخراً ، ومن الذي يقدر على تذليل الإبل لولا أمر الله بتسخيرها حتى قال بعضهم:
يصرف الصبيّ بكل وجه. .. ويحبسه على الخسف الجرير