تنتهي الآيات السابقة كلها بهذه الآية تذييلا عامًا ينتظم المصممين على الكفر، والمنتفعين بالإنذار والتخويف ترهيبًا وترغيبا، ووعيدًا ووعدًا، وإيذانًا بأَن الله الذي سوف يحيى موتاهم عند البعث، سيحيى موات قلوبهم حينما يجئُ أَوان هدايتهم، وقد تم ذلك في السنة الثامنة من الهجرة حيث أَسلموا جميعًا عند فتح مكة.
والمعنى: إنا نحن - وحدنا دون غيرنا - القادرون على أَن نحيى الموتي جميعًا المؤْمنين منهم والكافرين، المصدقين بالبعث منهم والمكذبين، ونبعثهم يوم القيامة للحساب والجزاءِ، ونكتب ونثبت ما قدموا وأَسلفوا من الأَعمال الصالحة وغير الصالحة، ونحفظها لهم، ونثبت آثارهم التي يبقى بعد موتهم ثوابها من الحسنات: من علم علَّموه،
أَو كتاب ألَّفوه، أَو نبع أَجروه، أَو أَرض وقفوا غلتها على الفقراء والمعوزين، أَو غير ذلك من نواحي البر ووجوه الخير، كما نثبت آثارهم السيئة التي يبقى بعد موتهم شرها وضرها من القوانين الظالمة التي سنوها، والعادات القبيحة التي اعتادوها واعتادها الناس تبعًا لهم، والمظالم التي ارتكبوها، وغير ذلك من ضروب الشر، وأَلوان الفساد والمنكر.
أَخرح ابن أَبي حاتم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من سَنَّ سنة حسنة فله أَجْرُها وأَجرُ مَن عمل بها من بعده من غير أَن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سنَّ سنةً سيئةً كان عليه وِزْرُها ووزر مَن عمل بها من بعده لا ينقص من أَوزارهم شيئًا، ثم تلا: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} ."
وفسر بعضهم الآثار بالخُطى إِلى المساجد، مستظهرين على ذلك مما أَخرجه عبد الرزاق وابن جرير، وابن المنذر، والترمذي وحسنه عن أبي سعيد الخدرى - قال: كان بنو سلمة في ناحية من المدينة فأَرادوا أَن ينتقلوا إِلى قرب المسجد فأَنزل الله - تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} : فدعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"إنه يكتب آثاركم ثم تلا عليهم الآية فتركوا".
والأَظهر أَن تحمل الآثار على ما يعم الخطى إِلى المساجد، وغير ذلك من الأَعمال الصالحة والطالحة ويترجح ذلك بأمور: