إذن: الذين وضعوا الحدود والحواجز في أرض الله أخذوها لأنفسهم ، فلم تَعُدْ أرض الله الواسعة التي تستقبل خَلْق الله من أي مكان آخر ، إنما جعلوها أرضهم ، وأخضعوها لقوانينهم هم ، وتعجب حين تتأمل حدود الدول على الخريطة ، فهي متداخلة ، فترى جزءاً من هذه الدولة يدخل في نطاق دولة أخرى ، على شكل مثلث مثلاً ، أو تمتد أرض دولة في دولة أخرى على شكل لسان أو مناطق متعرجة ، فماذ دُمْتم قد وضعتم بينكم حدوداً ، فلماذا لا تجعلونها مستقيمة؟
وكأن واضعي هذه الحدود أرادوها بُؤراً للخلاف بين الدول ، ولا يخلو هذا التقسيم من الهوى والعصبيات القبلية والجنسية والقومية والدينية ، لكن لو أخذنا بقول ربنا: {والأرض وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} [الرحمن: 10] لما عانينا كل هذه المعاناة .
وقوله تعالى: {كَسَبَتْ ...} [الروم: 41] عندنا: كسب واكتسب ، الغالب أن تكون كسب للحسنة ، واكتسب للسيئة ؛ لأن الحسنة تأتي من المؤمن طبيعة بدون تكلُّف أو افتعال ، فدلَّ عليها بالفعل المجرد (كسب) .
أما السيئة ، فعلى خلاف الطبيعة ، فتحتاج منك إلى تكلُّف وافتعال ، فدلَّ عليها بالفعل المزيد الدال على الافتعال (اكتسب) .
أَلاَ ترى أنك في بيتك تنظر إلى زوجتك وبناتك كما تشاء ، أما الأجنبية فإنك تختلس النظرات إليها وتحتال لذلك؟ فكل حركاتك مفتعلة ، لماذا؟ لأنك تفعل شيئاً محرماً وممنوعاً ، أما الخير فتصنعه تلقائياً وطبيعياً بلا تكلُّف .
كما أن الحسنة لا تحتاج منك إلى مجهود ، أمّا السيئة فتحتاج إلى أنْ تٌجنَّد لها كل قواك ، وأن تحتاط ، كالذي يسرق مثلاً ، فيحتاج إلى مجهود ، وإلى محاربة لجوارحه ؛ لأنها على الحقيقة تأبى ما يفعل .
ومع ذلك نلحظ قوله تعالى: {بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته فأولئك أَصْحَابُ النار ...} [البقرة: 81] .