ثم يوضح الحق سبحانه سبب هذا الفساد: {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس ...} [الروم: 41] فتلحظ هنا أن الحق سبانه لما يذكرالرحمة لا يذكر عِلَّتها ، لكن يذكر عِلَّة الفساد ؛ لأن الرحمة من الله سبحانه أولاً وأخيراً تفضُّل ، أما الأخذ والعذاب فبَعدله تعالى ؛ لذلك يُبِّين لك أنك فعلت كذا ، وتستحق كذا ، فالعلَّة واضحة .
هناك قضية أخرى أحب أن أوضحها لكم ، وهي أن الحق سبحانه يعامل خَلْقه معاملته في الجزاء ، فالله يقول: {مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ...} [الأنعام: 160] .
إذن: فالحسنة الواحدة تستر عشر سيئات ، وكذلك في جسم الإنسان ، فيقول بعض علماء وظائف الأعضاء والتشريح: إن الكلية بها مليون خلية يعمل منها العُشْر بالتبادل ، فمجموعة تعمل ، والباقي يرتاح وهكذا . فانظر كم ترتاح الخلية حتى يأتي عليها الدور في العمل .
فكأن ربنا - سبحانه وتعالى - خلق لها العشر يقوم مقام المليون ؛ لذلك قالوا لو أن في أحد الدواوين عشرة موظفين ، منهم واحد واحد محسن ، يستر إساءة الباقين ، وكثيراً ما تلاحظ هذه الظاهرة في دواوين الحكومة ، فترى غالبية الموظفين منشغلين: هذا يقرأ الجرائد ، وهذا يشرب الشاي ، وآخر لم يأْتِ أصلاً .
وخلف كومة من الملفات تجد موظفاً نحيلاً غارقاً في العمل ، يقصده الجميع ، ويتحمل هو تقصير الآخرين ، ويؤدي عنهم ، وبه تسير دفَّة الأمور ، لكن إنْ فقدنا هذا أيضاً ، فلا بُدَّ أن تأتي {ظَهَرَ الفساد ...} [الروم: 41] إذن: إن رأيت الفساد فاعلم أنه نتيجة إهمال وغفلة فاقت كل الحدود .
وما دام الحق سبحانه قال: {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس ...} [الروم: 41] فلا بُدّ أن الفساد جاء من ناحيتهم ، وبالله هل اشتكينا أزمة في الهواء مثلاً؟ لكن نشتكي تلوث الهواء بما كسبتْ أيدي الناس ، أمّا حين نذهب إلى الخلاء حيث لا يوجد الإنسان ، نجد الهواء نقياً كما خلقه الله .