وعندها يُنبِّهنا الحق سبحانه بالأحداث تطرقنا وتقول لنا: انظروا إلى مَنْ خالف منهج الله ماذا حدث له ؛ لذلك في أعقاب الأحداث نزداد عشقاً لله ، وحباً لطاعته ، وترى الناس (تمشي على العجين متلخبطه) ، لكن سرعان ما يعودون إلى ما كانوا عليه من الإهمال والغفلة ، على حَدِّ قول الشاعر:
تُروِّعنا الجناَئِزُ مُقْبِلاتٍ ... ونلهُو حِين تَذهَبُ مُدبراتِ
كَروْعَةِ ثُلَّةٍ لمغَارِ ذِئْبٍ ... فَلما غابَ عادتْ راتعاتِ
فالحق يقول: {ظَهَرَ الفساد ...} [الروم: 41] أي: غلب على قانون الصلاح الذي أقام الله عليه نظام هذا الكون ، الذي لو نالتْه يد الإنسان لَفسد هو الآخر ، كما قال سبحانه: {وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض ... .} [المؤمنون: 71] .
فظواهر الكون أشياء وقضايا لكل العامة ، ومن الحكمة إلاّ تنالها يد الإنسان ؛ لأن الله تعالى يريد للكون البقاء ، ولم يأْتِ أوان انتهائه ، لذلك الحق سبحانه يجعل فينا مناعة تجعلنا نقبل الفساد إلى حين ، إلى أن يصل إلى درجة التشبُّع ، فتتفجر الأوضاع .
فقوله: {ظَهَرَ الفساد فِي البر ...} [الروم: 41] نتيجة لدعوته صلى الله عليه وسلم ؛ لأن كلمة (ظهر) تدل على أن شيئاً وقع ، فكأنه يقول لنا: إنْ كررتم الفساد والغفلة تكرَّر ظهور الفساد ، فهو يعطينا مُلخصاً لما حدث بالفعل من عداوتهم لرسول الله ، ومقاطعته وعزله وإغراء السفهاء منهم للتحرش به ، ثم عداوة أصحابه وإجبارهم على الهجرة إلى الحبشة حتى لا يستقر لهم قرار بمكة .
لذلك دعا عليهم رسول الله:"اللهم اشْدُد وطأتك على مُضَر ، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف"فأصابهم الجَدْب والقحط ، حتى رُوِي أنهم كانوا يذهبون للبحر لصيد السمك ، فيبتعد عنهم ولا يستقيم لهم فيعودون كما أتوا .
وهذا معنى {ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر ...} [الروم: 41] .