هذا حالهم عند الشدائد والكروب، أما حالهم عند العافية والغنى وتفريج الهموم، فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله: ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ.
وإِذا الأولى شرطية، والثانية فجائية.
أي: هم بمجرد نزول الضر بهم يلجئون إلى الله - تعالى - لإزالته، ثم إذا ما كشفه عنهم، وأحاطهم برحمته، أسرع فريق منهم بعبادة غيره - سبحانه - .
وقوله - تعالى -: إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ: إنصاف وتشريف لفريق آخر من الناس، من صفاتهم أنهم يذكرون الله - تعالى - في كل الأحوال، ويصبرون عند البلاء، ويشكرون عند الرخاء.
والتنكير في قوله - سبحانه - «ضر، ورحمة» للإشارة إلى أن هذا النوع من الناس، يجزعون عند أقل ضر، ويبطرون ويطغون لأدنى رحمة ونعمة.
واللام في قوله - تعالى -: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ هي العاقبة. أي: فعلوا ما فعلوا من الجزع عند الضر، ومن البطر عند النعم، ليكون مآل حالهم إلى الكفر والجحود لنعم الله، وإلى سوء العاقبة والمصير.
ثم التفت إليهم - سبحانه - بالخطاب مهددا ومتوعدا فقال: فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أي: فتمتعوا - أيها الجاحدون لنعم الله - بهذا المتاع الزائل من متع الحياة الدنيا، فسوف تعلمون ما يترتب على ذلك من عذاب مهين.
وقوله - تعالى -: أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ التفات
من الخطاب إلى الغيبة، على سبيل التحقير لهم، والتهوين من شانهم. والاستفهام للنفي والتوبيخ.
والسلطان: الحجة والبرهان.
أي: هؤلاء الذين أشركوا معنا غيرنا في العبادة، هل نحن أنزلنا عليهم حجة ذات قوة وسلطان تشهد لهم بأن شركهم لا يخالف الحق، وتنطق بأن كفرهم لا غبار عليه؟
كلا، إننا ما أنزلنا عليهم شيئا من ذلك، وإنما هم الذين وقعوا في الشرك، بغير علم، ولا هدى ولا كتاب منير.
فالآية الكريمة تتهكم بهم لسفههم وجهلهم، وتنفى أن يكون شركهم مبنيا على دليل أو ما يشبه الدليل، أو أن يكون هناك من أمرهم به سوى تقاليدهم الباطلة، وأهوائهم الفاسدة وأفكارهم الزائفة.