ثم قال بعدها: {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق} [الحج: 29] فاللام سُكِّنَتْ لأنها لام الأمر .
وفي آيةٍ أخرى جُمِعت اللامان: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ...} [الطلاق: 7] فجاءتْ لام الأمر مكسورة ؛ لأنها في أول الجملة ، ولا يُبتدأ في اللغة بساكن ، فحُرِّكت بالكسر للتخلص من السكون ، ثم يقول سبحانه: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ الله ...} [الطلاق: 7] فجاءت لام الأمر ساكنة ؛ لأنها واقعة في وسط الكلام .
لذلك يجب أن يتنبه إلى هذه المسألة كُتَّاب المصحف ، وأن يعلموا أن كلام الله غالب ، فقد فات أصحاب رسم المصحف أنه مبنيٌّ من أوله إلى آخره على الوصل ، حتى في آخر آيات سورة الناس وأول الفاتحة نقول {الذي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس مِنَ الجنة والناس بسم الله الرحمن الرَّحِيم ...} .
فآخِرُ القرآن موصول بأوله ، حتى لا ينتهي أبداً . وعليه فلا ترسم {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ...} [الطلاق: 7] بالكسر ، إنما بالسكون ، لأنها موصولة بما قبلها .
وكلمة {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الروم: 34] تدلُّ على التراخي واستيعاب كل المستقبل ، سواء أكان قريباً أم بعيداً ، فهي احتياط لمن سيموت بعد الخطاب مباشرة ، أو سيموت بعده بوقت طويل .
ثم يقول الحق سبحانه: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً ...} .
كلمة (أم) لا تأتي بداية ؛ لأنها أداة تفيد التخيير بين أمريْن ، كما تقول: أجاء زيد أم عمرو؟ فلا بُدَّ أن تأتي بين متقابلين ، والتقدير: أهُمُ اتبعوا أهواءهم ، أم عندهم كتاب أُنزِل إليهم فهو حجة لهم على الشرك؟ وحيث إنهم لم ينزل عليهم كتاب يكون حُجَّة لهم فلم يَبْقَ إلا الاختيار الآخر أنهم اتبعوا أهواءهم .