والفعل {أَنزَلْنَا ...} [الروم: 35] الإنزال يقتضي عُلُوَّ المنزَّل منه ، وأن المنزَّلَ عليه أَدْنى ، فالإنزال من عُلُو الربوبية إلى ذُلِّ العبودية . ونحن لم نَرَ الإنزال ، إنما الذي تلقَّى القرآن أول مرة وباشر الوحي هو الذي رآه وأخبرنا به .
والأصل في الإنزال أن يكون من الله تعالى ، وحين ينزل الله علينا إنما ليعطينا سبحانه شيئاً من هذا العُلْو ، سواء أكان العُلُو معنوياً ؛ لأن الله سبحانه ليس له مكان ، أم عُلْواً حِسَّياً كما في {وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ...} [الحديد: 25] .
والسلطان: من التسلُّط ، وهي تدلُّ على القوة ، سواء أكانت قوة الحجة والبرهان ، فمَنْ أقعنك بالحجة والبرهان فهو قويٌّ عليك ، أو قوة قهر وإجبار كمَنْ يُرغِمك على فعل شيء وأنت كاره ، أما سلطان الحجة فتفعل وأنت راضٍ ومقتنع .
وإذا استقرأنا كلمة سلطان نجد أن الله تعالى عرضها لنا في موقف إبليس في الآخرة ، حين يتبرأ من الذين اتبعوه: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ ...} [إبراهيم: 22] .
أي: لم يكُنْ لي عليكم سلطان حجة وإقناع أستحوذ به على قلوبكم ، ولم يكُنْ لي عليكم سلطان قهر ، فأقهر به قوالبكم ، والحقيقة أنكم كنتم (على تشويرة) مجرد أنْ دعوتكُم جئتم مُسرعين ، وأطعتُم مختارين .
وهذا المعنى يُفسِّر لنا شيئاً في القرآن خاض الناس فيه طويلاً - عن خُبْث نية أو عن صدق نية - هذا في قوله تعالى مرة لإبليس {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ...} [ص: 75] ومرة أخرى: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ...} [الأعراف: 12] .