بعد ذلك يُبيِّن لنا الحق سبحانه أن الذين يكفرون بالله ، أو يتمردون على منهج الله يظلون هكذا أسْرى هذه السلطة الزمنية ، فإذا أصابتهم هزة أو بلاء لا تقوى أسبابهم على دفعه لم يجدوا ملجأ إلا الله ، فقال سبحانه: {وَإِذَا مَسَّ الناس ضُرٌّ ...} .
الضر: هو الشيء الذي نتضرر منه ، ولا تستطيبه النفس ، فإنْ أصابهم الضر وأسبابهم لا تفي بالخلاص منه {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ...} [الروم: 33] أي: رجعوا إليه سبحانه ، والآن علموا أن لهم رباً يلجئون إليه ، وهذا يُذكِّرنا بما قاله العرب عندما فتر الوحي عن رسول الله ، فسرَّهم ذلك ، وقالوا: إن رب محمد قلاه . سبحان الله الآن عرفتم أن لمحمد رباً .
وقلنا: إن ساعة الضيق والمحنة لا يَكْذب الإنسان نفسه ولا يخدعها ، وسبق أنْ ذكرنا قصة حلاق الصحة الذي كان يحلّ محلّ الطبيب الآن ، فلما أنشئت كليات للطب وخرَّجت أطباء ، وذهب أحدهم إلى قرية الحلاق ، فأخذ الحلاق يهاجمه ويدَّعي أنه حديث لا خبرةَ له ، فلما مرض ابنه وأحسَّ بالخطر أخذه خُفْية في ظلام الليل ، وذهب به إلى الطبيب ، لماذا؟ لأنه لن يغشَّ نفسه في هذه اللحظة .
{ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [الروم: 33] أي: يعودون إلى ما كانوا عليه من الشرك بالله .
وحين نتأمل هذه المسألة نجد أن القرآن عرضها مرة بصيغة الإفراد ، فقال: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً ... .} [الزمر: 8] .
وقال: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ ...} [يونس: 12] .