وهذا إشارة إلى ما سيصابون به يوم بدر من الاستئصال والخزي وهم كانوا يستعجلون بعذاب من جنس ما عذب به الأمم الماضية مثل عاد وثمود ، وكانت الغاية واحدة ، فإن إصابتهم بعذاب سيوف المسلمين أبلغ في كون استئصالهم بأيدي المؤمنين مباشرة ، وأظهر في إنجاء المؤمنين من عذاب لا يصيب الذين ظلموا خاصة وذلك هو المراد في قوله تعالى {إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون} [الدخان: 15 ، 16] .
والبطشة الكبرى: بطشة يوم بدر.
أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35)
{أمْ} منقطعة ، فهي مثل (بَل) للإضراب هو إضراب انتقالي.
وإذ كان حرف {أم} حرفَ عطف فيجوز أن يكون ما بعدها إضراباً عن الكلام السابق فهو عطف قصة على قصة بمنزلة ابتداءٍ ، والكلام توبيخ ولوم متصل بالتوبيخ الذي أفاده قوله {فتمتعوا فسوف تعلمون} [الروم: 34] .
وفيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضاً عن مخاطبتكم إلى مخاطبة المسلمين تعجيباً من حال أهل الشرك.
ويجوز أن يكون ما بعدها متصلاً بقوله {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم} [الروم: 29] فهو عطف ذَم على ذم وما بينهما اعتراض.
وحيثما وقعت {أمْ} فالاستفهام مقدَّر بعدها لأنها ملازمة لمعنى الاستفهام.
فالتقدير: بل أأنزلنا عليهم سلطاناً وهو استفهام إنكاري ، أي ما أنزلنا عليهم سلطاناً ، ومعنى الاستفهام الإنكاري أنه تقرير على الإنكار كأن السائل يسأل المسؤول ليقر بنفي المسؤول عنه.
والسلطان: الحجة.
ولما جعل السلطان مفعولاً للإنزال من عند الله تعين أن المراد به كتاب كما قالوا {حتى تنزل علينا كتاباً نَقرؤه} [الإسراء: 93] .