والكسائي {فارقوا} أي تركوا دينهم الذي أمروا به أو الذي اقتضته فطرتهم {دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً} أي فرقا تشايع كل فرقة أمامها الذي مهد لها دينها وقرره ووضع أصوله {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ} من الدين المعوج المؤسس على الرأس الزائغ والزعم الباطل {فَرِحُونَ} مسرورون ظناً منهم أنه حق ، والجملة قيل اعتراض مقرر لمضمون ما قبله من تفريق دينهم كونهم شيعاً ، وقيل: في موضع نصب على أنها صفة {شِيَعاً} بتقدير العائد أي كل حزب منهم ، وزعم بعضهم كونها حالاً.
وجوز أن يكون {فَرِحُونَ} صفة لكل كقول الشماخ:
وكل خليل غير هاضم نفسه...
لوصل خليل صارم أو معارز
والخبر هو الظرف المتقدم أعني قوله تعالى: {مِنَ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} فيكون منقطعاً عما قبله ، وضعف بأنه يوصف المضاف إليه في نحوه صرح به الشيخ ابن الحاجب في قوله:
وكل أخ مفارقه أخوه...
لعمر أبيك إلا الفرقدان
وفي البحر أن وصف المضاف إليه في نحوه هو الأكثر وأنشد قوله:
جادت عليه كل عين ترة...
فتركن كل حديقة كالدرهم
وما قيل: إنه إذا وصف به {كُلٌّ} دل على أن الفرح شامل للكل وهو أبلغ ليس بشيء بل العكس أبلغ لو تؤمل أدنى تأمل.
{وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ} أي شدة {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} راجعين إليه تعالى من دعاء غيره عز وجل من الأصنام وغيرها {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً} خلاصاً من تلك الشدة {إِذَا فَرِيقٌ بِرَبّهِمْ} الذي كانوا دعوه منيبين إليه {يُشْرِكُونَ} أي فاجأ فريق منهم الإشراك وذلك بنسبة خلاصهم إلى غيره تعالى من صنم أو كوكب أو نحو ذلك من المخلوقات ؛ وتخصيص هذا الفعل ببعضهم لما أن بعضهم ليسوا كذلك ، وتنكير {ضُرٌّ وَرَحْمَةً} للتعليل إشارة إلى أنهم لعدم صبرهم يجزعون لأدنى مصيبة ويطغون لأدنى نعمة ، و"ثم"للتراخي الرتبى أو الزماني.