ولم يرد بذلك أن كل واحد منهم يعامل في الآخرة بما علم الله أنه لو خلاه في الدنيا لفعله، لأن ذلك لو كان جزاء، فالجزاء لا يكون بما لو وجد ليجزي إليه سبيلاً لفعله أو إذا يكون بما قد فعل، ألا ترى أن أحداً من العصاة لا يعذب على معصية كانت تقع منه لو أمهل وترك في الدنيا، أكثر مما كان بها واحداً من الفقراء لا يعذب على منع زكاة كأن يكون منه، لو أولي مالا، فالأطفال الذين هم أضعف منه وأقل قوة أولى أن لا يعاملوا بمثل هذه المعاملة وبالله التوفيق.
وقد قيل أن أمرهم يجري على ما ورد به الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «من أنه تؤجَّج لَهُم نارُ يوم القِيامة، ويُؤمَرون بدخولها، فمَنْ هُمْ أصرَفُ بِها إلى الجَنة، ومن أبَى أُمِرَ بِه إلى النَّار، وقال الله عز وجل: إيَّايَ عَصَيْتُم، فكَيْفَ لوْ رُسُلي بالغَيْبِ أتَتكُمُ» .
وليس هذا الحديث ثابت، وهو مخالف لأصول المسلمين، لأن الآخرة ليست بدار امتحان.
فإن المعرفة بالله فيها تكون ضرورة، ولا محنة مع الضرورة، لأن الأطفال هناك لا لهول من أن يكونوا عقلاء أو غير عقلاء.
فإن كانوا عقلاء كانوا مضطرين إلى المعرفة، فلا يليق بأحوالهم المحنة.
وإن كانوا غير عقلاء، فهم من المحنة أبعد.
فإن قيل: ولم، إذا كانوا مضطرين إلى المعرفة لم يجز أن يكونوا ممتحنين ما وراء المعرفة؟
قيل: لأن سائر الطاعات تقع بالمعرفة، فإذا وقع الإمتحان وقع ما وراءها، وإذا سقط الإمتحان بها لم يثبت فيما وراءها.
ولو لا أن هذا هكذا لجاز أن يؤمر الكفار إلى الآخرة بأمر، بعد أن عرفوا الله ضرورة واعترفوا به، فإذا انتهوا إليه أدخلوا الجنة.
وأن يمتحن الفقراء بأن يؤتوا في الآخرة مالا، ثم يؤمر قوم أن سلوهم منه شيئاً، فمن أعطى أدخل الجنة، ومن أبى أدخل النار وعذب عذاب مانع الزكاة.
فإذا لم يجز هذا لم يجز مثله، وعليه ان مرجع هذا الحديث إلى أنهم يقدمون على كفر، لو كفروا في الدنيا لكان يقع منهم.
وقد بينا أن التعذيب على مثله لا يكون.
وأيضاً فإن دلائل الشرع قد استقرت على أن التخليد في النار لا يكون إلا على الشرك، وامتناع الصغار في الآخرة من دخول النار المؤججة ليس بشرك، فكيف يجوز أن يخلدوا لأجله نار جهنم.
فإن قيل: إذاً لا يخلد المسلم بمعاصيه لأنه مؤمن، فهؤلاء لا إيمان لهم مكتسباً.
قيل: والكفار إنما يخلدون لكفرهم، وهؤلاء لا كفر منهم أصلاً.