قال: قد يجوز أن يوردوا النار وإن لم يدينوا، لأن من أورد النار، فلأنه خلق لها، ومن أدخل الجنة، فلأنه خلق لها.
واحتج بقول الله عز وجل: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} .
ويجوز أن يصاروا إلى الجنة في هذا القول.
فيدل ذلك على أنهم خلقوا لها وإن لم يكونوا كسبوا في الدنيا خيراً.
وقد قيل: إنهم يصاروا إلى الجنة ليكونوا خدام أهلها، لا لتكون الجنة ثواباً لهم.
فإن الثواب يقابل الطاعة، وهم لا طاعة لهم.
فيكونون لأهل الجنة في الجنة كخدام الملوك في قصورهم وبساتينهم.
ومعلوم أنهم بأن ينعموا بها يلبسوا فيها كساتهم.
فكذلك هؤلاء الأطفال وإن ينعموا بالجنة فليسوا فيها كالذين جعلت الجنة ثواباً لهم، والله أعلم.
وقد قيل: إن كل من علم الله منه أنه إن بلغه الكبر آمن به وعده أدخله الجنة، وكل من علم منه أنه بلغه كفر وفخر، أدخله النار.
ومن ذهب إلى هذا احتج بما روى أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، سئل عن أطفال المشركين.
فقال: «الله أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلينَ» ، وقد يحتمل أن يكون المراد بهذا الخبر غير هذا المعنى، وهو أن الله أعلم بما هم صائرون إليه، وما هو كائن من أمرهم.
ويجوز أن يكون سئل عن هذا قبل أن يتبين له ما بهم، فقد كان - صلى الله عليه وسلّم - بمكة قبل ما كتب بدعاء الرسل، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، ولم يكشف له عن عاقبة أمره وأمر المشركين، ثم أنزل عليه: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} .
ثم أنزل عليه: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} ، وأنزل عليه، {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} .
فاعلم أن الذي يفعل به أن يظهره عليهم، والذي يفعل بهم أن يقهروا أو يذلوا، إلا أن يدخلوا في دين الحق، وكذلك يجوز أن يكون لم يعلم خبر الأطفال عند حدوث هذا السؤال فيوقف، وقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين، أيدخلون الجنة آمنين أم يكونوا في النار معذبين» .