فأما قول الله عز وجل: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} فطرة الله التي فطر الناس عليها الإسلام، لكن ما يتوصل به إلى الإسلام هو الحق من دلالة العقل، وهي التي لا يتهيأ لأحد تبديلها، فإن ذهب عنها ذاهب كانت هي بحالها حجة عليه وداعية له إلى الصراط المستقيم، وبالله التوفيق.
وأما النبي - صلى الله عليه وسلّم - لما لم يقل حتى يكون أبواه يسلمانه، دل على أن المراد بالفطرة الإسلام، فلا دلالة له فيه لأنه إنما أراد أن يبين أن فساد الدين ضرر يلحق الأولاد من قبل آبائهم وأمهاتهم.
فذكر الأديان الفاسدة، ولم يذكر الدين الصحيح ولأن بنوته للولد بأبويه نفع وصلاح له وتأس من الضرر، فإنما سكت عنه لهذا: لا لأن ثبوت الدين الحق له من قبل الخلقة - فإنا قد بينا أن الدين لا يجري مجرى الخلق - ولكنه من باب الاكتساب.
وفي ذلك ما يمنع أن يكون المراد بالفطرة الدين.
وأما قول الله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ} فإنما معناه أنه أخرجهم من أصلاب آبائهم عقلاء مذ ركب فيهم من آلة التمييز ما يعلمون به أن لهم خالقاً، فأشهدهم بما في عقولهم المركبة في أبدانهم على أنفسهم، لأنه لو خاطبهم وأمرهم، ونهاهم عن غير أن يعطيهم عقلاً يدركون به مراده لم يكن عليهم سؤال ولا عيب، وإذا أعطاهم آلة التمييز والمعرفة نوجه عليهم العيب والسؤال، ولم يكن لهم أن يقولوا كنا عما يلزمنا غافلين، ولا نوجه لاختلافهم أن يجبلوا على إسلامهم.
فالميثاق إذاً هو العقل لا غيره، وتبين فساد تعلق من خالف هذا بالآية أن الله تعالى لم يقل: وإذ أخذ ربك من ظهر آدم ذريته، وإنما قال: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} فظاهر ذلك أنه أراد توكيد بعضهم من بعض على ممر الأزمان، وبإشهادهم على أنفسهم، أعطاهم عقلاً يدلهم على صانعهم ووحدانيته وقدسه والله أعلم.