ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.* إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بالإفراط في الاعتداء والعناد، ولم يقبلوا النصح، ولم ينفع فيهم الرفق فاستعملوا معهم الغلظة، وأخرج ابن جرير عن مجاهد أن الذين ظلموا هم الذين أثبتوا الولد والشريك، أو قالوا يد الله تعالى مغلولة، أو الله سبحانه فقير، أو آذوا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، وهذه الغلظة التي تفهم الآية الإذن بها لا تصل إلى القتال لأولئك الظالمين من أهل الكتاب على أي وجه من الوجوه المذكورة كان ظلمهم؛ لأن ظاهر كون السورة مكية أن هذه الآية مكية، والقتال في المشهور لم يشرع بمكة، وليست الغلظة محصورة فيه كما لا يخفى، وقيل المعنى: ولا تجادلوا الداخلين في الذمة المؤدّين للجزية إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا فنبذوا الذمة ومنعوا الجزية فإن أولئك مجادلتهم بالسيف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد ما يقرب منه، وتعقب بأن السورة
مكية والحرب والجزية مما شرع بالمدينة، وكون الآية بيانا لحكم آت بعد بعيد، وأيضا
لا قرينة على التخصيص).
ولنعد إلى التفسير:
وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا إليك الكتاب أي أنزلناه مصدقا لسائر الكتب السماوية، أو كما أنزلنا الكتب إلى من قبلك أنزلنا إليك الكتاب. قال ابن جرير: يقول الله تعالى: كما أنزلنا الكتب على من قبلك يا محمد من الرسل، كذلك أنزلنا إليك الكتاب. فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ أي الذين أخذوا الكتاب السابق فتلوه حق تلاوته يؤمنون بهذا القرآن. وينطبق هذا على عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي وأمثالهما، وَمِنْ هؤُلاءِ يعني العرب مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ أي بالقرآن وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا مع ظهورها، وزوال الشبهة عنها إِلَّا الْكافِرُونَ أي إلا المتوغّلون في الكفر، المصمّمون عليه