قيل: إن هذا الميثاق لما أخذ عليهم مخرجين من صلب آدم، لا شك أنه أخذ وقد ركب فيهم الحركة والنطق والعقل، فلما أعيدوا إلى صلب آدم بطل ما كانوا، فردوا به من هذه المعاني فزال العلم الذي كان متعلقاً بها، ولما عادوا يخرجون من صلبه واحداً بعد واحد على سبيل التوالد، أنسوا ذلك الميثاق لأن الدار كانت دار ابتلاء وامتحان وتعبد، فلو ذكر كل واحد ما كان فيه فيها خلال حقه وصدقه يجري الإيمان مجرى الضرورات، وارتفعت المحنة واقتضت الحكمة انساءهم إياه، وابتداءهم بالخطاب والتكليف مقرونين بإرسال الرسل وتأييدهم بالأعلام بعد تركيب العقل فيهم وتمكينهم من التمييز بين الحق والباطل ليكون منهم ما يكون، حتى إذا كان يوم القيامة ذكروا من ذلك ما كانوا نسوه، للإحجاج به عليهم مع ما أمدوا به على ألسنة الرسل من التنبيه والوعظ والوعد والوعيد وبالله التوفيق.
والحجة الثانية: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «يقول الله - عز وجل - خلقت عبادي حنفاء فأحالتهم الشياطين عن دينهم» .
وهذا يدل على أن أصل الناس في دينهم الإيمان وأنهم في ذلك بمنزلة الماء والثوب والأرض التي أصلها الطهارة ما لم يرد عليها راد ينجسها.
ومن قال بالقول الآخر دفع هذه المقالة، فإن الدين كسب لا حيلة، لأن الله تبارك وتعالى يثيب ما حسن منه ويعاقب على ما قبح منه، ويأمر بالحسن وينهى عن القبيح، وما كان بابه باب الحيلة، فإنه لا ثواب ولا عقاب لأحد عليه، فإن الله تعالى لا يثيب البصير على بصره ولا يعاقب الأعمى على عماه، وكذلك كل من جرى مجراه.
وهو يثيب المسلم بإسلامه، ويعاقب المبطلين على باطلهم، فثبت بذلك: إن الدين من باب الإكتساب لا من باب الجبلة والبنية، وإذا كان كذلك، والمولود بين الكافرين لم يكسب دين الحق ولم يكسبه له أبواه فأنى كان مسلماً!
وأيضاً فإن الله - عز وجل - لو خلقه مسلماً، لم يرع اتباعه الأبوين الكافرين في كفرهما لوجهين:
أحدهما: لأنه ليس من دينه أن يقبل من أحد كفراً بعد الإيمان.
والآخر: أن كل من اتبع غيره في شيء فإنما يتبع فيما لا يكون له بنفسه، فيكون محتاجاً، فلو كان له بنفسه دين لم يتبع في الدين أبويه.