ثم اعلم! انه لما كان المقصد هنا سرد البراهين على الأصول السابقة من الإيمان والعبادة ، ورد الكفر ومنع كفران النعمة. ثم أن أوضح الدلائل هو الدليل المستفاد من سلسلة أحوال البشر ، وأن أكمل النعم هي النعم المتدلّية فِي أنابيب تلك السلسلة
والمندمجة فِي عقدها ؛ قال: (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون) إشارة إلى تلك السلسلة العجيبة المترتبة ذات العقد الخمس التي تدلت من أنابيبها عناقيد النعم. فلنمهّد خمس مسائل لحلّ تلك العقد.
المسألة الأولى: فِي (وكنتم أمواتا) .
اعلم! أن الإنسان باعتبار جسده بينما كان ذرّاتٍ جامدةً منتشرةً فِي العالم ، إذ تراها دخلت بقانون مخصوص ونظام معيّن تحت انتظام.. ثم بينما تراها متسترة ساكتة فِي عالم العناصر إذ تراها انتقلت متسلّلة بدستور معّين وانتظام يومئ إلى قصد وحكمة إلى عالم المواليد.. ثم بينما تراها متفرقة ساكنة فِي ذلك العالم إذ تراها تحزبت بطرز عجيب وصارت نطفة.. ثم بانقلابات متسلسلة علقة فمضغة.. فلحماً وعظاماً وهلم جرا.. فكلٌّ من هذه الأطوار وأن كان مكمَّلاً بالنسبة إلى سابقه الا انه ميّت وموات. 1
فإن قلت: الموت عدم الحياة وزوالها ولا حياة فيها حتى تزول ؟
قيل لك: اختار المجاز لاعداد الذهن لقبول العقدة الثالثة والرابعة.
المسألة الثانية: فِي (فأحياكم) .
اعلم! أن أعجبَ معجزات القدرة وادقّها الحياةُ.. وكذا هي أعظم كل النعم وأظهر كل البراهين على المبدأ والمعاد.
أما وجه أدقيتها وغموضها فهو:
ان أدنى أنواع الحياة حياة النبات ، وأن أوّل درجاتها تنبه العقدة الحياتية فِي الحبة. وهذا التنبه مع شدة ظهوره وعمومه والألفة به من زمان آدم إلى الآن قد بقي مستوراً عن نظر حكمة البشر.
وأما وجه كونها أعظم النعم فهو:
1 بالنسبة إلى لاحقه.