لقد فكرت في المسألة مليا وأمعنت النظر فيها طويلا فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو الذي يتربص به الدوائر للايقاع ، فإذا بلغ المرء من الاسفاف مدى يحب فيه عدوا ويؤثره بالعبادة فذلك هو الارتطام في مزالق الغيّ ومهاوي الضلال ، وقد يبلغ التعريض للمنصوح ما لا يبلغه التصريح لأنه يلفت انتباهه ويسترعي أنظاره فيتأمل فيه فربما قاده التأمل إلى التقبل ، ومنه ما يحكى عن الشافعي: أن رجلا واجهه بشيء فقال له: لو كنت بحيث أنت لاحتجت إلى أدب.
3 -أسرار حروف العطف:
وهنا موضع دقيق المسلك لطيف المرمى قلما ينتبه إليه أحد أو بتفطن إليه كاتب ، فإن أكثر الناس يضعون حروف العطف في غير مواضعها فيجعلون ما ينبغي أن يجر ب"على"ب"في"في حروف الجر ، كما أنهم يعطفون دون أن يتفطنوا إلى سر الحرف الذي عطف به الكلام فقد قال تعالى"والذي هو يطعمني ويسقين ، وإذا مرضت فهو يشفين ، والذي يميتني ثم يحيين"فالأول عطفه بالواو التي هي لمطلق الجمع وتقديم الإطعام على الإسقاء ، والإسقاء على الإطعام جائز لولا مراعاة حسن النظم ، ثم عطف الثاني بالفاء لأن الشفاء يعقب المرض بلا زمان خال من أحدهما ، ثم عطف الثالث بثم لأن الإحياء يكون بعد الموت بزمان ولهذا جيء في عطفه بثم التي هي للتراخي. وهذا من الأسرار التي يجدر بالكاتب الإلمام بها حتى يقيس عليها ويعطف على كل بما يناسبه ويقع موقع السداد منه.
4 -التفويف:
ولم يسبق أن تحدثنا فيما غبر من كتابنا عن هذا الفن وهو إتيان المتكلم بمعان شتى من المدح والوصف والنسيب وغير ذلك من الفنون ، كل فن في جملة منفصلة من أختها بالسجع غالبا مع تساوى الجمل في الرنّة ، ويكون بالجمل الطويلة والجمل المتوسطة والجمل القصيرة ، فمثال المركب من الجمل الطويلة:"الذي خلقني فهو يهدين"إلى قوله"وألحقني بالصالحين"ففي هذه الآيات فنون شتى منها:
آ - المناسبة: