قالوا: لأننا سننقلب إلى الله في الآخرة ، وسنُسأل عن هذا النعيم ، فإنْ شكرنا ربنا على هذه النعمة فقد أدَّيْنا حقها ، ومَنْ شكر الله على نعمة في الدنيا لا يسأل عنها في الآخرة ؛ لأنه أدَّى حقَّها .
وقال سبحانه: {وَسَيَعْلَمْ} [الشعراء: 227] بالسين الدالة على الاستقبال ، لكنها لا تعني طول الزمن كما يظن البعض ؛ لأن الله تعالى أخفى الموت ميعاداً ، وأخفاه سبباً ومكاناً ، وهذا الإبهام للموت هو عَيْن البيان ، لأنك في هذه الحالة ستنتظره وتتوقعه في كل وقت ، ولو علم الإنسانُ موعد موته لقال: أفعل ما أريد ثم أتوب قبل أن أموت .
إذن: الوقت الذي تقتضيه السين هنا لا يطول ، فقد يفاجئك الموت ، وليس بعد الموت عمل أو توبة ، واقرأ قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يلبثوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات: 46] .
وقلنا: إن في الآية {وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] تهديداً ووعيداً ، الحق تبارك وتعالى حين يُضخّم الوعيد إنما يريد الرحمة بخَلْقه ، وهو مُحِبٌّ لهم ، فيهددهم الآن ليَسلموا غداً ، ويُنبِّههم ليعودوا إليه ، فينالوا جزاءه ورحمته .
وكأنه تبارك وتعالى يريد من وراء هذا التهديد أن يُوزِّع رحمته لا جبروته ، كما تقسو على ولدك ليذاكر وتهدده ليجتهد . إذن: فالوعد بالخير خير ، والوعيد بالشر أيضاً خير ، فكل ما يأتيك من ربك ، فاعلم أنه خير لك ، حتى وإنْ كان تهديداً ووعيداً .
وهكذا قدمتْ لنا سورة الشعراء نموذجاً من تسلية الحق تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم والتخفيف عنه ما يلاقي من حزن وألم على حال قومه وعدم إيمانهم ، وعرضَتْ عليه صلى الله عليه وسلم موكب الرسل ، وكيف أن الله أيَّدهم ونصرهم وهزم أعداءهم ودحرهم .