قَضَى اللهُ يَا كافُورُ أنَّكَ أَوَّلٌ ... وليْسَ بقَاضٍ أنْ يُرَى لَكَ ثَانِ
فلما لم يُعْطه كافور طلبه ، وساءتْ العلاقة بينهما ، قال يهجوه:
أُريك الرضا لو أخْفت النفسُ خافيَا ... ومَا أَنَا عَنْ نفسي وَلاَ عَنْكَ رَاضيا
أَمَيْنا وإخْلاَفَاً وغَدْراً وخِسَّةً وجُبْنا ... أشخصاً لُحْتَ لي أَمْ مَخَازِيا
وتُعجِبُني رِجْلاَكَ في النَّعْلِ إنني ... رأيتُكَ ذَا نَعْلٍ وإنْ كُنْتَ حَافِيا
ومِثْلُكَ يُؤتَى مِنْ بِلاَدٍ بَعِيدَة ... لِيُضحِكَ ربَّاتِ الحِدَادِ البَوَاكِيَا
ولَوْلاَ فُضُول الناسِ جِئْتُك مَادِحاً ... بما كنتَ في نَفْسِي به لَكَ هَاجِيَا
وقد يكون الشاعر بخيلاً ، ولكنه يمدح الكرم والكريم ، ويرفعه إلى عنان السماء:
متَّى تَأْتِهِ تَعشُو إلى ضَوْء نَارِه ... تَجِدْ خَيْر نَارٍ عِنْدهَا خَيْرُ موقِدِ
والحطيئة مع ما عُرف عنه من البخل يمدح أحدهم ، ويصفه بالكرم النادر ، لدرجة أنْ جعله يهِمُّ بذبح ولده لضيفه ؛ لأنه لم يدد ما يذبحه ، وينظِم الحطيئة في الكرم هذه القصيدة أو القصة الشعرية التي تُعَدُّ من عيون الشعر العربي ، ومع ذلك لم يأخذ مما يقول عبرةً ، وظلَّ على إمساكه وبُخْله؟
يقول الحطيئة في وصف الكريم:
وَطَاوٍ ثَلاثاً عَاصٍب البَطْنِ مُرْمل ... بِبَيْداءَ لمَ يَعرِف بها ساكِن رَسْما
أخِي جَفْوة فيه مِنَ الأُنْس وَحْشةٌ ... يرى البُؤْسَ فِيها مِنْ شراسَتِه نُعْما
وأَفْردَ في شِعْبٍ عَجُوزاً إزَاءَهَا ... ثلاثَة أشْباح تَخَالهوا بُهْما
حُفاةً عُراةً ما اغتذَوْا خُبْز مَلَّة ... ولاَ عَرِفُوا للبُرِّ مُذْ خُلِقُوا طَعْما
رَأى شَبَحاً وَسْط الظَّلام فَرَاعَه ... فلمَّا رأى ضَيْفا تَشمَّر واهْتَما
فَقالَ ابنُه لما رَآهُ بحيْرةٍ ... أيَا أبَتِ أذْبحْني ويَسِّر لَهُ طُعْما
وَلاَ تعتذر بالعُدْم على الذي طَرا ... يظنُّ لَنَا مالاً فَيُوسِعُنا ذَمّا