واختير له حرف الاستفهام الدال على التحقيق وهو {هل} لأن هل في الاستفهام بمعنى (قد) والاستفهام مقدّر فيها بهمزة الاستفهام ، فالمعنى: أنبئكم إنباءً ثابتاً محققاً وهو استفهام لا يترقب منه جواب المستفهَم لأنه ليس بحقيقي فلذلك يعقبه الإفضاء بما استفهم عنه قبل الإذن من السامع.
ونظيره في الجواب قوله تعالى: {عَمّ يتساءلون عن النبأ العظيم} [النبأ: 1 ، 2] وإن كان بين الاستفهامين فرق.
وفعل {أنبئكم} معلق عن العمل بالاستفهام في قوله: {على من تنزل الشياطين} .
وهو أيضاً استفهام صوري معناه الخبر كناية عن أهمية الخبر بحيث إنه مما يستفهم عنه المتحسِّسون ويتطلبونه ، فالاستفهام من لوازم الاهتمام.
والمجرور مقدم على عامله للاهتمام بالمتنزَّل عليه ، وأصل التركيب: من تنزَّل عليه الشياطين ، فلما قدم المجرور دخل حرف {على} على اسم الاستفهام وهو {مَن} لأن ما صْدَقَها هو المتنزّل عليه ، ولا يعكر عليه أن المتعارف أن يكون الاستفهام في صدر الكلام ، لأن أسماء الاستفهام تضمنت معنى الإسمية وهو أصلها ، وتضمنت معنى همزة الاستفهام كما تضمنته {هل} ، فإذا لزم مجيء حرف الجر مع أسماء الاستفهام ترجح فيها جانب الإسمية فدخل الحرف عليها ولم تُقدّم هي عليه ، فلذلك تقول: أعلى زيد مررتَ؟ ولا تقول: مَن عَلى مررت؟ وإنما تقول: على من مررت؟ وكذا في بقية أسماء الاستفهام نحو {عمّ يتساءلون} [النبأ: 1] ، {مِنْ أي شيء خلقه} [عبس: 18] ، وقولهم: عَلاَم ، وإلام ، وحتّام ، و {فيمَ أنت من ذكراها} [النازعات: 43] .
وأجيب الاستفهام هنا بقوله: {تنزل على كل أفاكٍ أثيم} .
و {كل} هنا مستعملة في معنى التكثير ، أي على كثير من الأفّاكين وهم الكهان ، قال النابغة:
وكُلِّ صَموت نثلة تُبَّعيَّةٍ...
ونَسج سُلَيْم كُلَّ قمصاءَ ذائِل
والأفاك كثير الإفك ، أي الكذب ، والأثيم كثير الإثم.