فى مواجهة الواقع وتحديه! وهكذا نجد شاعرا من أصحاب النفوس الكبيرة ، كالمتنبي ، مثلا ، تحمله نفسه الكبيرة على أن يقف موقف النّدّ مع ممدوحه سيف الدولة ، أمير الدولة الحمدانية ، ولا يرضى أن يكون حاشية من حواشيه .. حتى إذا التقى بكافور صاحب مصر ، نظر إليه من سماء عالية ، ولم يستطع أن يكتم ما بنفسه ، من مشاعر العظمة لذاته ، والإحقار لكافور ، فيظهر ذلك في كل شعر قاله فيه .. ومن هنا لم يلتقيا على طريق ، فافترقا من أول لقاء! وأكثر من هذا ..
فإن المتنبي ، أبى عليه صدقه مع نفسه ، أن يلتزم ما التزمه الشعر العربي من مطالع الغزل في كل قصيدة ، مدحا كانت ، أو ذما ، أو رثاء .. فصرخ من أعماقه تلك الصرخة المدوية ، التي رمى بها في وجه هذا الغزل المصطنع ، وقال:
إذا كان مدح فالنسيب المقدم؟ أكل فصيح قال شعرا متيّم؟
بل إنه ليذهب إلى أبعد من هذا ، فلم يرتض من أسلوب الحياة إلّا ما كان صميم الحياة ذاتها ، ومن واقعها البعيد عن الصنعة والدّخل ، حتى إنه ليعيب المرأة المتجمّلة بغير جمال الفطرة ، الأمر الذي يكاد يكون طبيعة فِي بنات حواء .. فيقول:
أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
حسن الحضارة مجلوب بتطرية وفي البداوة حسن غير مجلوب
والمتنبي في هذا ، لا يقول ما لا يفعل ، كما هو الشأن الغالب في الشعراء الذين قال اللّه سبحانه وتعالى فيهم: « وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ » .. بل إنه ليأخذ نفسه بالصدق قولا وعملا ، وإنه ليأبى - مثلا - أن يغيّر لون شعره ، حين نسخ الشيب سواده .. فيقول:
ومن هوى الصّدق في قولى وعادته رغبت عن شعر في الرأس مكذوب