وفي هذا يقول الحق جلّ وعلا: « وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ، وَما يَنْبَغِي لَهُ ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ » (69: يس) وفي قول تعالى: « وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ » .. إلفات لقريش ، إلى هؤلاء الذين اتبعوا محمدا وآمنوا به ، وأنهم جميعا كانوا على حال من الاستقامة والقصد ، بحيث لا تميل بهم أنفسهم إلى جانب الشعراء ، ولا تهفو
طباعهم إلى أن يكونوا في موكبهم ، ومن بطانتهم ، أو شيعتهم .. وفي هذا دليل مادى آخر ، على أن محمدا ليس بشاعر ، وأن ما يحدّث به ليس من قبيل الشعر ، وإلا لكان أتباعه من الشعراء .. لسانا ، وطبيعة .. فالشعراء إنما ينضوى إليهم من كان على شاكلتهم ، من أهل الغواية ، والبطالة ..
وقوله تعالى: « أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ » .. هو بيان للصفة الغالبة على الشعراء ، وأنهم لا يلتزمون الواقع ، ولا يتحرّون الصدق ، وذلك لما في طبيعة الشاعر من توفّز الشعور ، وجموح الخيال ، وتقلّب العاطفة ..
فيخرج به ذلك كله عن أن يرى الأمور على حقيقتها ، بل يلونها بخياله ، ويصفيها بمشاعره ، ويتعامل معها كما تقع في وجدانه .. ومن هنا جاء القول المشهور: « أعذب الشعر أ كذبه » .. كاشفا عن الصفة الغالبة على الشعر ، وهو الخيال لذى يلوّن الحقيقة ، ويضع عليها من الأصباغ ما يغير وجهها ، فيبدو القبيح جميلا ، والجميل قبيحا ، كما تفعل الأصباغ والألوان التي تلوّن بها وجوه الممثلين ، والثياب التي يلبسونها ، والشّعر المستعار لرءوسهم ، ولحياهم - كما يفعل ذلك كله في إخفاء شخصية الممثل ، وإظهاره في الصورة التي يقتضيها الدور الذي يقوم به على مسرح التمثيل ..