وقد تحدى القرآن الإنس والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، فقال تعالى:
« قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » (88: الإسراء) فما لهم لا يتصلون بالجن ، ويأخذون عنهم مثل ما أخذ النبي؟
وشأن الرسول في هذا شأن القرآن ، فهو في مقام عال ، وفي حراسة من طهره ، وسموه ، من أن تلمّ به الأرواح الخبيثة ، أو تتعامل معه .. لبعد ما بينها وبينه ، وللاختلاف الشديد الذي بين طبيعتها وطبيعته ..
إن الشياطين ، إنما تتنزل ، وتتعامل مع أقرب الناس شبها بها ، وأكثرهم
تجاوبا معها ، فِي الاتجاه إلى غايات الشر ، ومواقع الضلال .. « تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ » .. فهذا هو متنزل الشياطين ومهبط وحيهم .. أن يتنزّلوا على أهل الإفك والإثم ، وعلى من يتعامل بالإفك والإثم ، الذي هو كل بضاعتهم .. وفي هذا يقول اللّه تعالى: « وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ » (121: الأنعام) والأفّاك: كثير الإفك ، وهو افتراء الأحاديث واختلاقها ونسجها من خيوط الباطل والبهتان ..
والأثيم: كثير الإثم ، وهو المقرف للآثام والمنكرات ، دون تحرّج أو تأثّم ..
وإذن ، فالقرآن - فِي ذاته - بمعزل عن الشياطين ، لا يدنون منه ، ولا يطوفون بحرمه.
والنبيّ - فِي ذاته - على طبيعة من الصفاء والنّقاء والطهر ، لا يقترب منها الشيطان ، الذي هو طبيعة خبيثة قذرة ، لا تميل إلا إلى الخبث والقذر ..
شأن الذباب الذي يتهافت على الأقذار ، ويتجنب كل نظيف طاهر! وإذن ، فإن ما يتحدث به الرسول لن يكون من تلقيات الشياطين أبدا ، سواء أ كان ما يتحدث به منسوبا إلى السماء ، أو منسوبا إليه.