{يُلْقُونَ} أي: الأفّاكون: {السَّمْعَ} أي: إلى الشياطين وأوهامهم ووساوسهم: {وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} أي: فيما يتكهنون به ، وفيما يحكونه عن الشياطين . وقوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} استئناف مسوق لإبطال ما قالوا في حق القرآن الكريم ، من أنه من قبيل الشعر ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشعراء ، ببيان حال الشعراء المنافية لحاله عليه الصلاة والسلام . بعد إبطال ما قالوا إنه من قبيل ما يلقي الشياطين على الكهنة من الأباطيل ، بما مرّ من بيان أحوالهم المضادّة لأحواله عليه الصلاة والسلام .
والمعنى أن الشعراء الذين يركبون المخيلات والمزخرفات من القياسات الشعرية والأكاذيب الباطلة ، سواء كانت موزونة أم لا ، فإنه يتبعهم: أي: يجاريهم ويسلك مسلكهم ، ويكون من جملتهم الغاوون الضالون عن السنن ، لا غيرهم من أهل الرشد ، المهتدين إلى طريق الحق ، الداعين إليه . قاله أبو السعود .
وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} استشهاد على أن الشعراء إنما يتبعهم الغاوون ، وتقرير له . أي: ألم تر أنهم في كل وادٍ من أودية الخيال يهيمون على وجوههم ، لا يقفون عند حدّ معيّن ، بل يركبون للباطل والكذب وفضول القول كل مركب . ديدنهم الهجاء ، وتمزيق الأعراض ، والقدح في الأنساب ، والنسيب بالحرم والغزل والابتهار . ومدح من لا يستحق المدح ، والغلوّ في الثناء والهجاء .
لطيفة:
في ذكر الوادي والهيام ، تمثيل لذهابهم في شعب القول وفنونه وطرقه وشجونه . قال ابن الأثير: استعار الأودية للفنون والأغراض من المعاني الشعرية التي يقصدونها . وإنما خص الأودية بالاستعارة ، ولم يستعر الطرق والمسالك ، أو ما جرى مجراها - لأن معاني الشعر تستخرج بالفكرة والروية ، والفكرة والروية فيهما خفاء وغموض . فكان استعارة الأودية لها أشبه وأليق .