وفي هذا الوجه ، إن تنزيله بالعربية التي هي لسانك ولسان قومك ، تنزيل له على قلبك ، لأنك تفهمه ويفهمه قومك.
ولو كان أعجمياً ، لكان نازلاً على سمعك دون قلبك ، لأنك تسمع أجراس حروف لا تفهم معانيها ولا تعيها ، وقد يكون الرجل عارفاً بعدة لغات ، فإذا كلم بلغتها التي لقنها أولاً ونشأ عليها وتطبع بها ، لم يكن قلبه إلا إلى معاني تلك الكلم يتلقاها بقلبه ، ولا يكاد يفطن للألفاظ كيف جرت.
وإن كلم بغير تلك اللغة ، وإن كان ماهراً بمعرفتها ، كان نظره أولاً في ألفاظها ، ثم في معانيها.
فهذا تقرير أنه نزل على قلبه لنزوله بلسان عربي مبين. انتهى.
وفيه تطويل.
{وإنه} ، أي القرآن ، {لفي زبر الأولين} : أي مذكور في الكتب المنزلة القديمة ، منبه عليه مشار إليه.
وقيل: إن معانيه فيها ، وبه يحتج لأبي حنيفة في جواز القراءة بالفارسية في الصلاة ، على أن القرآن قرآن إذا ترجم بغير العربية ، حيث قيل: {وإنه لفي زبر الأولين} ، لكون معانيه فيها.
وقيل: الضمير عائد على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، أي إن ذكره ورسالته في الكتب الإلهية المتقدمة يكون التفاتاً ، إذ خرج من ضمير الخطاب في قوله: {على قلبك لتكون} إلى ضمير الغيبة ، وكذلك قبل في أن يعلمه ، أي أن يعلم محمداً (صلى الله عليه وسلم) ، وتناسق الضمائر لشيء واحد أوضح.
وقرأ الأعمش: لفي زبر ، بسكون الباء ، والأصل الضم ، ثم احتج عليهم بأنهم كان ينبغي أن يصحح عندهم أمره ، كون علماء بني إسرائيل يعلمونه ، أي أو لم يكن لهم علامة على صحة علم بني إسرائيل به؟ إذ كانت قريش ترجع في كثير من الأمور النقلية إلى بني إسرائيل ، ويسألونهم عنها ويقولون: هم أصحاب الكتب الإلهية.
وقد تهود كثير من العرب وتنصر كثير ، لاعتقادهم في صحة دينهم.