يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَوَلَمْ يَكُنْ لِهَؤُلَاءِ الْمُعْرِضِينَ عَمَّا يَأْتِيكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ ذِكْرِ رَبِّكَ دَلَالَةً عَلَى أَنَّكَ رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَنْ يَعْلَمَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ وَصِحَّتَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَقِيلَ: عُنِيَ بِعُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَمَنْ أَشْبَهَهُ مِمَّنْ كَانَ قَدْ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي عَصْرِهِ.
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «أَوَلَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ آيَةً، عَلَامَةً أَنَّ عُلَمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ»
وَقَوْلُهُ: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَوْ نَزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى بَعْضِ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَنْطِقُ، وَإِنَّمَا قِيلَ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ، وَلَمْ يَقُلْ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِيِّينَ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ إِذَا نَعَتْتَ الرَّجُلَ بِالْعُجْمَةِ وَأَنَّهُ لَا يُفْصِحُ بِالْعَرَبِيَّةِ: هَذَا رَجُلٌ أَعْجَمُ، وَلِلْمَرْأَةِ: هَذِهِ امْرَأَةٌ عَجْمَاءُ، وَلِلْجَمَاعَةِ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ عُجْمٌ وَأَعْجَمُونَ، وَإِذَا أُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى وُصِفَ بِهِ الْعَرَبِيُّ وَالْأَعْجَمِيُّ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي أَنَّهُ غَيْرُ فَصِيحِ اللِّسَانِ، وَقَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ وَهُوَ مِنَ الْعَرَبِ وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الكامل]
مِنْ وَائِلٍ لَا حَيَّ يَعْدِلُهُمْ ... مِنْ سُوقَةٍ عَرَبٌ وَلَا عُجْمُ
فَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ بِهِ نِسْبَةَ الرَّجُلِ إِلَى أَصْلِهِ مِنَ الْعَجَمِ، لَا وَصَفَهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ فَصِيحِ اللِّسَانِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: هَذَا رَجُلٌ عَجَمِيُّ، وَهَذَانِ رَجُلَانِ عَجَمِيَّانِ، وَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ عُجْمٌ، كَمَا يُقَالُ: عَرَبِيُّ، وَعَرَبِيَّانِ، وَقَوْمٌ عُرْبٌ.
وَإِذَا قِيلَ: هَذَا رَجُلٌ أَعْجَمِيُّ، فَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَى نَفْسِهِ كَمَا يُقَالُ لَلْأَحْمَرِ: هَذَا أَحْمَرِيُّ ضَخْمٌ، وَكَمَا قَالَ الْعَجَّاجُ:
[البحر الرجز]
وَالدَّهْرُ بِالْإِنْسَانِ دَوَّاريُّ
وَمَعْنَاهُ: دَوَّارٌ، فَنَسَبَهُ إِلَى فِعْلِ نَفْسِهِ.