تذرون، فعلها الماضي لَا يُذْكَرُ، ولكن الزمخشري ذكره في كتابه أساس البلاغة ونص على أنه يقال: ذروا هذا الأمر، فيقولون (وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم) تدل على الترك والإهمال، وتلك إحدى الكبر، كأنهم يرتكبون أمرين: أولا الفعل مع الذكران، وإهمال الأزواج، ولذلك قالوا إن التعبير بـ (تَذَرُونَ) أبلغ من تتركون، والآية تدل على أن الفطرة
هي ما يكون مع الأزواج، والآخر ضد الفطرة، ثم صرح اللَّه تعالى بأنهم ظالمون وعادون، فقال عز من قائل: (بَلْ أَنتمْ قَوْمٌ عَادُونَ) بل للإضراب الانتقالي بأن انتقل من وصف عملهم الآثم، إلى وصف أشخاصهم، و (عادون) جمع عاد، وهو الظالم المعتدي الذي تجاوز الحد، فقد تجاوزوا حد الفطرة، وخرجوا عليها، وشذوا عن الإنسانية.
بعد هذه الموعظة الزاجرة، أجابوه إجابة الغواية الفاجرة، هددوه بالرجم (كما ورد في آية أخرى) أو الإخراج من البلد والنفي في مكان بعيد، كما في هذه الآية.
(قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ(167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169)
قالوا مصممين موثقين قولهم باليمين،
(لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ) اللام هي اليمينية، أي أقسموا بما يقسمون به إذا لم تنته، وكان النداء لتأكيد أن الخطاب له، ولم تكن لمودة بجمعهم، إنما هو لنفرة شديدة لتفرقهم، لأنه يحول بينهم وما يشتهون من خروج على الفطرة والطبع الإنساني، والمقسم به لتكونن من المخرجين؛ أو المرجومين، واللام واقعة في جواب القسم، وقد أكدوا الإخراج أو الرجم بها، وبأن يصير في عداد المرجومين أي أنه يرجم ويقبر، ويكون في عداد الأموات الذين يموتون بالرمي بالحجارة، حتى ماتوا، وأكدوا الرجم أيضا بنون التوكيد الثقيلة وكذلك التأكيد على إخراجه فيكون بعيدا عنهم ويرتاحوا من مواعظه.
وكانوا في فجورهم الذي لجوا فيه واستمرءوه، وهو لَا يستمرأ إلا عند ذوي الطباع الشاذة الخارجة عن الفطرة وهم فاسقون أقوياء جبارون، فلم يسع نبي اللَّه إلا أن يعلن استنكاره لفعلهم الذي يجافى الفطرة الإنسانية.