وهذا أمر طبيعي لا يتحمل إسهابا. والآيات والأحاديث التي لا تحصى كثرة شاهدة عليه فقد أودع الله في الناس العقل والتمييز وجعل فيهم قابلية النشاط والعمل والكسب وأمرهم به والسعي إليه وقرر أنه خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأمرهم بالتسابق في الخيرات. وحثهم على العمل الصالح مطلقا وهو يعلم أنهم يطيقونه وحذّرهم من العمل السيء مطلقا وهو يعلم أنهم يطيقون اجتنابه بما أودعه فيهم من قابلية العمل والتمييز والاختيار وجعل كل نفس رهينة بما كسبت وكل هذا أيضا ينفي ذلك الوهم كما هو المتبادر ويجعل مدى التوكل في نطاق ما شرحناه.
والله أعلم.
[سورة الفرقان (25) : آية 60]
(وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً(60)
.المتبادر أن هذه الآية جاءت استطرادية. فقد وصف الله تعالى نفسه بالرحمن في الآية السابقة لها مباشرة. فاستطردت هذه إلى التنديد بالكفّار الذين إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن تساءلوا تساؤل المنكر المستكبر عن هذا الرحمن وقالوا بأسلوب المتهكم: كيف نسجد لما تأمرنا وازدادوا نفورا وانصرافا عن الدعوة.
تعليق على اسم الرحمن
ولقد ذكر المفسرون في سياق هذه الآية أن مسيلمة النبي الكذّاب الذي ظهر في أواخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم في اليمامة كان يتسمّى باسم الرحمن، وأنه أنشأ حديقة سمّاها حديقة الرحمن، أو أنه كان له صنم يسميه بهذا الاسم أقامه في الحديقة، وأن تساؤل الكفار متّصل بذلك حيث التبس عليهم الأمر فظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم بالسجود له.