( [أو] التَّأْكيد بما يفيد العموم كقَوْله تَعَالَى: فَسَجَدَ الْمَلائكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ)
وجه دلالة التوكيد عَلَى العموم هُوَ أنه لو لم يكن تأكيدًا لكان ذلك العام تأسيسًا
وإجماع النحاة عَلَى تأكيديته (واستدلال الصحابة بعمومها شائعًا وذائعًا) هذا إثبات
المدعي بالْإجْمَاع وفي التوضيح ولتمسكهم بقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ"الأئمة من قريش"لما وقع
الاخْتلَاف بعد رسول اللَّه عَلَيْهِ السَّلَامُ في الخلافة. وقال الأنصار"منا أمير ومنكم أمير"
تمسك أبو بكر - رضي الله تَعَالَى عنه - بقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ"الأئمة من قريش"ولم ينكره أحد
انتهى. فكان إجماعًا عَلَى ذلك.
قوله: (فالنَّاس) تفريع لما قرره من اسم الجمع المعرف باللام للعموم حيث لا عهد
والْمَعْنَى فالنَّاس في قَوْله تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاس) لكونه اسم جمع محلى
باللام ولا قرينة عَلَى العهد مُطْلَقًا (يعم الموجودين وقت النزول لفظًا) تمييز عن النسبة في
قوله: يعمه أي يعم لفظه جميع الموجودين وجميعهم يكونون مأمورين بالْعبَادَة ولا كلام في
العموم، وإنما الْكَلَام في عموم الغائبين عن مهبط الوحي، فالظَّاهر أنه تَغْليب في الخطاب.
قوله: (ومن سيوجد) أي يعم النَّاس من سيوجد أَيْضًا لكن لا لفظًا بل(لما تواتر من
دينه عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أن مقتضى خطابه وأحكامه شامل للقبيلين، ثابت إلَى قيام الساعة)
أي عموم النَّاس للمعدومين الَّذينَ سيوجدون ليس لفظًا بل لدليل وهو ما تواتر الخ. ولم
يرد الْمُصَنّف أن شمول الخطاب للمعدومين بعبارة النص وهو ظَاهر حيث جعله مقابلًا
لقوله لفظًا ولا بطَريق دلالة النص لقوله لما تواتر الخ. فلا وجه للاعتراض بأنه مخالف لما
تقرر في أصولنا وأصول الشَّافعيَّة من أن ما وضع لخطاب المشافهة نحو (يَا أَيُّهَا النَّاس)
ليس خطابًا لمن بعدهم، وإنَّمَا يثبت حكمه بدليل آخر من إجماع أو نص أو
قياس، وأما بمجرد الصيغة فلا فالْقَوْل بعموم الخطاب للمعدومين عبارة أو دلالة ليس مذهبنا
ومذهب الشَّافعيّ وإن ما تواتر من دينه عَلَيْهِ السَّلَامُ من شمول مقتضى خطابه وأحكامه لهم
لا يدل عَلَى ذلك. اعلم أن الإيجاب قديم وهو حكمه تَعَالَى في الأزل أنه إذا بلغ زيد يجب
عليه ذا كذا في التوضيح فخطاب المعدوم واقع وتكليفه مقرر عند الأشاعرة لا بمعنى أن
التكليف والطلب وقت الإيجاب بل بمعنى أنه طلب وقت وجود المأمور فلا ريب في كونه
ممكنا، أَلَا [تَرَى] أن خطاب التكوين بالْكَلَام الأزلي القائم بذاته تَعَالَى تعلقه بالمعدوم قد
اختاره بعض أئمة الأصول منهم الإمام فخر الْإسْلَام فما المانع من جوازه في الخطاب
التكليفي ثم الأوامر اللفظية الدَّالَّة عَلَى وجوب الأداء فالظَّاهر أنها تعم الموجودين
والمعدومين إما حَقيقَة كما ذهب إليه البعض حيث قال والظَّاهر أنه حَقيقَة وإلا يكون جميع
ما في الْقُرْآن من الخطاب مَجَازًا، ولا يخفى بُعده عن ساحة التنزيل انتهى. أو مجاز كما هو
الحق؛ إذ لفظ الخطاب موضوع لمعين فضلًا لموجود، كَمَا صَرَّحُوا به في عامة كتبهم
فاسْتعْمَاله في الغير المعين مجاز فما ظنك في اسْتعْمَاله في المعدوم الصرف ولا بعد في
اعتباره في ساحة التنزيل لمحافظة قواعد العربية التي نزل الْقُرْآن عليها، أَلَا [تَرَى] أن الاستفهام