بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ وتأمل حالهم إذا طفئت أنوارهم فبقوا فِي الظلمة، وقد ذهب المؤمنون فِي نور إيمانهم يتبعون ربهم عز وجل، وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم فِي حديث الشفاعة:"ليتبع كل أمة ما كانت تعبد"فيتبع كل مشرك إلهه الذي كان يعبده، والموحد حقيق بأن يتبع الإله الحق الذي كان كل معبود سواه باطل. وتأمل قوله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ} وذكر هذه الآية فِي حديث الشفاعة فِي هذا الموضع، وقوله فِي الحديث"فيكشف عن ساقه"وهذه الإضافة يتبين المراد بالساق المذكور فِي الآية، وتأمل ذكر الانطلاق واتباعه سبحانه بعد هذا، وذلك يفتح لك بابا من أسرار التوحيد، وفهم القرآن ومعاملة الله سبحانه وتعالى لأهل توحيده الذين عبدوه وحده ولم يشركوا به شيئا هذه المعاملة التي عامل بمقابلتها أهل الشرك حيث ذهبت كل أمة مع معبودها فانطلق بها واتبعته إلى النار، وانطلق المعبود الحق واتبعه أولياؤه وعابدوه، فسبحان الله رب العالمين الذي قرت عيون أهل التوحيد به فِي الدنيا والآخرة، وفارقوا الناس فيه أحوج ما كانوا إليهم. ومنها أن المثل الأول متضمن لحصول الظلمة التي هي الضلال والحيرة التي ضدها الهدى، والمثل الثاني متضمن لحصول الخوف الذي ضده الأمن فلا هدى ولا أمن {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} .
قال ابن عباس وغيره من السلف: مثل هؤلاء فِي نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا فِي ليلة مظلمة فِي مفازة فاستضاء، ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي فِي ظلمة خائفا متحيرا، كذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم وأولادهم وناكحوا المؤمنين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم فذلك نورهم فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف، قال مجاهد: إضاءة النار