وَثَالِثُهَا: أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ اسْتِعَارَةً عَنِ الْخَوْفِ الشَّدِيدِ فَكُلُّ امْرِئٍ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ عَنْ بَنِيهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ فَكَيْفَ بِسَائِرِ الْأُمُورِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يُؤْخَذُ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رءوس الْأَشْهَادِ وَيُنَادِي مُنَادٍ أَلَا إِنَّ هَذَا فُلَانٌ فَمَنْ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إِلَى حَقِّهِ فَتَفْرَحُ الْمَرْأَةُ حِينَئِذٍ أَنْ يَثْبُتَ لَهَا حَقٌّ عَلَى أُمِّهَا أَوْ أُخْتِهَا أَوْ أَبِيهَا أَوْ أَخِيهَا أَوِ ابْنِهَا أَوْ زَوْجِهَا (فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) وَعَنْ قَتَادَةَ لَا شَيْءَ أَبْغَضُ إِلَى الْإِنْسَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَنْ يَرَى مَنْ يَعْرِفُهُ مَخَافَةَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ثُمَّ تَلَا (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ) [عَبَسَ: 34]
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا يَا رَسُولَ اللَّه، أَمَا نَتَعَارَفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَسْمَعُ اللَّه تَعَالَى يَقُولُ: (فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «ثَلَاثُ مَوَاطِنَ تَذْهَلُ فِيهَا كُلُّ نَفْسٍ حِينَ يُرْمَى إِلَى كُلِّ إِنْسَانٍ كِتَابُهُ، وَعِنْدَ الْمَوَازِينِ، وَعَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ» .
وَطَعَنَ بَعْضُ الْمُلْحِدَةِ فَقَالَ قوله: (وَلا يَتَساءَلُونَ) وقوله: (وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا) [المعارج: 10] يناقض قَوْلَهُ: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) [الصَّافَّاتِ: 27] وَقَوْلَهُ: (يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ) [يُونُسَ: 45] ؟
الْجَوَابُ: عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِقْدَارَهُ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ فَفِيهِ أَزْمِنَةٌ وَأَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ فَيَتَعَارَفُونَ وَيَتَسَاءَلُونَ فِي بَعْضِهَا، وَيَتَحَيَّرُونَ فِي بَعْضِهَا لِشِدَّةِ الْفَزَعِ