وأين يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم:"ادْرَءُوا الحُدُود عن المُسْلمِين ما اسْتَطَعْتُم فإن لم يكن له مَخْرَج فَخَلُّوا سَبِيله ، فإن الإمام إن يُخْطِئ في العَفْو خَيْر له من أن يخْطِئ في العُقُوبة"أن من عقد على أمه أو ابنته أو أخته ووطئها فلا حد عليه. وأن هذا المفهوم من قوله"ادْرَءُوا الحُدُود بالشُّبُهات"فهذا في معنى الشبهة التي تدرأ بها الحدود ، وهي الشبهة في المحل أو في الفاعل أو في الاعتقاد. ولو عرض هذا على فهم من فرض من العالمين لم يفهمه من هذا اللفظ بوجه من الوجوه. وأن من يطأ خالته أو عمته بملك اليمين فلا حد عليه مع علمه بأنها خالته أو عمته وتحريم الله لذلك ، ويفهم هذا من"ادْرَءُوا الحُدُود بالشُّبُهات"، وأضعاف أضعاف هذا مما لا يكاد ينحصر.
قالوا: فهذا التمثيل والتشبيه هو الذي ننكره ، وننكر أن يكون في كلام الله ورسوله دلالة على فهمه بوجه ما.
قالوا: ومن أين يفهم من قوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً} [النحل: 66] ، ومن قوله: {فاعتبروا} [الحشر: 2] تحريم بيع الكشك باللبن. وبيع الخل بالعنب ، ونحو ذلك. قالوا: وقد قال تعالى: {وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله} [الشورى: 10] ولم يقل إلى قياساتكم وآرائكم. ولم يجعل الله آراء الرجال وأقيستها حاكمة بين الأمة أبداً.
قالوا: وقد قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] فإنما منعهم من الخيرة عند حكمه وحكم رسوله. لا عند آراء الرجال وأقيستهم وظنونهم.