وقيل:"الذي"مصدرية ك"ما"أي كخوضهم. وقيل: هي موضع الذين. والمقصود أنه سبحانه جمع بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض بالباطل. لأن فساد الدين إما أن يقع بالاعتقاد بالباطل والتكلم به وهو الخوض ، أو يقع بالعمل ، بخلاف الحق والصواب وهو الاستمتاع بالخلاق ، فالأول البدع. والثاني اتباع الهوى ، وهذان هما أصل كل شر وفتنة وبلاء ، وبهما كذبت الرسل وعصى الرب ، ودخلت النار وحلت العقوبات.
فالأول من جهة الشبهات ، والثاني من جهة الشهوات ، ولهذا كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى فتنة هواه ، وصابح دنيا أعجبته دنياه! وكانوا يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر ، والعابد الجاهل ، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون ، فهذا يشبه المغضوب عليهم الذين يعملون الحق ويعملون بخلافه ، وهذا يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم.
وفي صفة الإمام رحمه الله عن الدنيا ما كان أصبره ، وبالماضين ما كان أشبهه! أتته البدع فنفاها ، والدنيا فأباها. وهذه حال أئمة المتقين ، الذين وصفهم الله تعالى في كتابه بقوله: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] فبالصبر تترك الشهوات ، وباليقين تدفع الشبهات ، كما قال تعالى: {وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر} [العصر: 3] ، وقوله تعالى: {واذكر عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأيدي والأبصار} [ص: 45] .