وفي بعض المراسيل:"إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات. فقوله تعالى: {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ} [التوبة: 69] إشارة إلى اتباع الشهوات ، وهوداء العصاة. وقوله: {وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا} [التوبة: 69] إشارة إلى الشبهات ، وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات ، وكثيراً ما يجتمعان. فقل من تجده فاسد الاعتقاد إلا وفساد اعتقاده يظهر في عمله. والمقصود أن الله أخبر أن في هذه الأمة من يستمتع بخلاقه كما استمتع الذين من قبله بخلاقهم ، ويخوض كخوضهم ، وأن لهم من الذم والوعيد كما للذين من قبلهم ، ثم حضهم على القياس والاعتبار بمن قبلهم فقال: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ والمؤتفكات أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [التوبة: 70] فتأمل صحة هذا القياس وإفادته لما علق عليه من الحكم ، وأن الأصل والفرع قد تساويا في المعنى الذي علق به العقاب وأكده كما تقدم بضرب من الأولى وهو شدة القوة وكثرة الأموال والأولاد ، فإذا لم يتعذر على الله عقاب الأقوى منهم بذنبه فكيف يتعذر عليه عقاب من هو دونه. ومنه قوله تعالى: {وَرَبُّكَ الغني ذُو الرحمة إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [الأنعام: 133] . فهذا قياس جلي ، يقول سبحانه: إن شئت أذهبتكم واستخلفت غيركم ، كما أذهبت من قبلكم واستخلفتكم ، بذكر أركان القياس ألأربعة: علة الحكم وهي عموم مشيئته وكمالها ، والحكم وهو إذهابه إياهم وإتيانه بغيرهم ، والأصل وهو ما كان من قبل والفرع وهم المخاطبون ، ومنه قوله تعالى:"