لأنكم قررتم أنه مرتبة بين المناسب والطردي ، فما وجه كونه مرتبة بين المناسب والطردي؟ فالجواب: أن إيضاح ذلك فيه أن أوصافه المشابهة للمال ككونه يباع ويشترى إلخ طردية بالنسبة إلى لزوم الدية ، لأن كونه كالمال ليس صالحاً لأن يناط به لزوم ديته إذا قتل ، وكذلك أوصافه المشابهة للحر ككونه مخاطباً يثاب ويعاقب إلخ. فهي طردية بالنسبة إلى لزوم القيمة: لأن كونه كالحر ليس صالحاً لأن يناط به لزوم القيمة ، فهو من هذه الحيثية يشبه الطردي كما ترى. أما ترتب القيمة على أوصافه المشابهة لأوصاف المال فهو مناسب كما ترى. وكذلك ترتب الدية على أوصافه المشابهة لأوصاف الحر مناسب ، وبهذين الاعتبارين يتضح كونه مرتبة بين المناسب والطردي.
ومن أمثلة أنواع الشبه غير غلبة الأشباه الشبه الذي الوصف الجامع فيه لا يناسب لذاته ، ولكنه يستلزم المناسب لذاته ، وقد شهد الشرع بتأثير جنسه القريب في جنس الحكم القريب. كقولك في الخل مائع لا تبنى القنطرة على جنسه ، فلا يرفع به الحدث ، ولا حكم الخبث قياساً على الدهن. فقولك"لا تبنى القنطرة على جنسه"ليس مناسباً في ذاته. لأن بناء القنطرة على المائع في حد ذاته وصف طردي إلا أنه مستلزم للمناسب: لأن العادة المطردة أن القنطرة لا تبنى على المائع القليل ، بل على الكثير كالأنهار ، والقلة مناسبة ، لعدم مشروعية المتصف بها من المائعات للطهارة العامة. فإن الشرع العام يقتضي أن تكون أسبابه عامة الوجود. أما تكليف الجميع بما لا يجده إلا البعض فبعيد من القواعد. فصار قولك"لا تبنى القنطرة على جنسه"ليس بمناسب ، وهو مستلزم للمناسب. وقد شهد الشرع بتأثير جنس القلة والتعذر في عدم مشروعية الطهارة ، بدليل أن الماء إذا قل واشتدت إليه الحاجة فإنه يسقط الأمر بالطهارة به وينتقل إلى التيمم.