اعلم أن الاجتهاد في الأحكام في الشرع دلت عليه أدلة من الكتاب والسنة؟ منها هذا الذي ذكرنا هنا. وقد قدمنا في سورة بني"إسرائيل"طرفاً من ذلك ، ووعدنا بذكره مستوفى في هذه السورة الكريمة ، وسورة"الحشر"وهذا أوان الوفاء بذلك الوعد في هذه السورة الكريمة. وقد علمت مما مر في سورة"بني إسرائيل"أنا ذكرنا طرفاً من الأدلة على الاجتهاد فبينا إجماع العلماء على العمل بنوع الاجتهاد المعروف بالإلحاق بنفي الفارق الذي يسميه الشافعي القياس في معنى الاصل ، وهو تنقيح المناط. وأوضحنا أنه لا ينكره إلا مكابر ، وبينا الإجماع أيضاً على العمل بنوع الاجتهاد المعروف بتحقيق المناط ، وأنه لا ينكره إلا مكابر ، وذكرنا أمثلة له في الكتاب والسنة ، وذكرنا أحاديث دالة على الاجتهاد ، منها الحديث المتفق عليه المتقدم ومنها حديث معاذ حين بعثه النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ، وقد وعدنا بأن نذكر طرقه هنا إلى آخر ما ذكرنا هناك.
اعلم أن جميع روايات هذا الحديث في المسند والسنن ، كلها من طريق شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أصحاب معاذ ، عن معاذ ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما الرواية المتصلة الصحيحة التي ذكرنا سابقاً عن ابن قدامة (روضة الناظر) أن عبادة بن نسي رواه عن عبدالرحمن بن غنم ، عن معاذ ، فهذا الإسناد وإن كان متصلاً ورجاله معروفون بالثقة ، فإني لم أقف على من خرج هذا الحديث من هذه الطريق ، إلا ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين) عن أبي بكر الخطيب بلفظ: وقد قيل ، إن عبادة بن نسي رواه عن عبدالرحمن بن غنم ، عن معاذ ا ه منه.