وَذَلِكَ لِأَنَّ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ حَكَمَ بِدَفْعِ الْغَنَمِ إلَى صَاحِبِ الْحَرْثِ وَحَكَمَ سُلَيْمَانُ لَهُ بِأَوْلَادِهَا وَأَصْوَافِهَا ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ نَفَشَتْ غَنَمُهُ فِي حَرْثِ رِجْلٍ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْغَنَمِ وَلَا تَسْلِيمُ أَوْلَادِهَا وَأَلْبَانِهَا وَأَصْوَافِهَا إلَيْهِ ، فَثَبَتَ أَنَّ الْحُكْمَيْنِ جَمِيعًا مَنْسُوخَانِ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَضَمَّنَتْ الْقِصَّةُ مَعَانٍ ، مِنْهَا: وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى صَاحِبِ الْغَنَمِ ، وَمِنْهَا كَيْفِيَّةُ الضَّمَانِ ، وَإِنَّمَا الْمَنْسُوخُ مِنْهُ كَيْفِيَّةُ الضَّمَانِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الضَّمَانَ نَفْسَهُ مَنْسُوخٌ.
قِيلَ لَهُ: قَدْ ثَبَتَ نَسْخُ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَبَرٍ قَدْ تَلَقَّاهُ النَّاسُ بِالْقَبُولِ وَاسْتَعْمَلُوهُ ، رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُزَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ} وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ {جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ} ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي اسْتِعْمَالِ هَذَا الْخَبَرِ فِي الْبَهِيمَةِ الْمُنْفَلِتَةِ إذَا أَصَابَتْ إنْسَانًا أَوْ مَالًا أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا إذَا لَمْ يُرْسِلْهَا هُوَ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ الْجَمِيعِ وَكَانَ عُمُومُهُ يَنْفِي ضَمَانَ مَا تُصِيبُهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ثَبَتَ بِذَلِكَ نَسْخُ مَا ذُكِرَ فِي قِصَّةِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَنُسِخَ مَا ذُكِرَ فِي قِصَّةِ الْبَرَاءِ أَنَّ فِيهَا إيجَابَ الضَّمَانِ لَيْلًا.