وَأَيْضًا سَائِرُ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلضَّمَانِ لَا يَخْتَلِفُ فِيهَا الْحُكْمُ بِالنَّهَارِ وَاللَّيْلِ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ أَوْ نَفْيِهِ ، فَلَمَّا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى نَفْيِ ضَمَانِ مَا أَصَابَتْ الْمَاشِيَةُ نَهَارًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَهَا لَيْلًا ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَوْجَبَ الضَّمَانَ فِي حَدِيثِ
الْبَرَاءِ إذَا كَانَ صَاحِبُهَا هُوَ الَّذِي أَرْسَلَهَا فِيهِ وَيَكُونُ فَائِدَةُ الْخَبَرِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ السَّائِقَ لَهَا بِاللَّيْلِ بَيْنَ الزُّرُوعِ وَالْحَوَائِطِ لَا يَخْلُو مِنْ نَفْشِ بَعْضِ غَنَمِهِ فِي زُرُوعِ النَّاسِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ ، فَأَبَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حُكْمِهَا إذَا أَصَابَتْ زَرْعًا ، وَيَكُونُ فَائِدَةُ الْخَبَرِ إيجَابَ الضَّمَانِ بِسَوْقِهِ وَإِرْسَالِهِ فِي الزُّرُوعِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ ، وَبَيِّنٌ تَسَاوِي حُكْمِ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ فِيهِ.
وَجَائِزٌ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ قَضِيَّةُ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ كَانَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، بِأَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا أَرْسَلَهَا لَيْلًا وَسَاقَهَا وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِنَفْشِهَا فِي حَرْثِ الْقَوْمِ ، فَأَوْجَبَا عَلَيْهِ الضَّمَانَ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَوْضِعِ الْخِلَافِ.