وقوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا) أي جعل له ولدا، وكلامهم ينبني عن احتياجه سبحانه إلى ولد؛ لأن الاتخاذ لَا يكون إلا عن حاجة، وقوله تعالى: (سُبْحَانَهُ) أي تنزه وتقدس عن ذلك (بَلْ) إضراب وردّ لقولهم، (عِبَادٌ مُكرَمُونَ) ، أي كرمهم الله تعالى وهم عباده، فعيسى عبد لله، ولا يستنكف أن يكون عبدا، والملائكة المقربون لَا يستنكفون أن يكونوا عبيدا له.
وقد ذكر سبحانه وتعالى حالهم فقال عز من قائل:
(لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ(27)
وذكر سبحانه وتعالى هذا الوصف لهم، للإشارة إلى أنهم من الله بمنزلة من الطاعة، كمنزلة العبيد من مالكهم، لَا يسبقونه في أمر من أمور الشريعة أو الخلق والتكوين أو القول، بل هم تابعون خاضعون، ليس قول مع قوله سبحانه، فلا يتقدمون أمامه، وقالوا: إن (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ) في مؤدى لَا يسبق قولهم قوله، أي لَا يقولون قولا، بل قولهم دائمًا مسبوق بإرادة الله سبحانه وتعالى، وليس لهم أن يتقدموا بأمر، ثم قال تعالى في بيان خضوعهم: (وَهُم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ) وتقديم الجار والمجرور لإفادة الاختصاص، والمعنى بأمره وحده لَا بأمر غيره يعملون، وفي ذلك تعريض ببطلان ما يفعله المشركون إذ يفرضون لآلهتهم المزعومة مطالب يؤدونها، وذلك من أوهامهم.
ويبين سبحانه وتعالى أنهم في قبضة يده يعلم حالهمْ في حاضرهم وماضيهم فيقول سبحانه:
(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ(28)