ومن جهة أخرى .. فإن هذا الوجود ، فِي علوه وسفله ، وفى سمائه وأرضه - لو قام عليه أكثر من ذي سلطان واحد مطلق ، لما استقام أمره ، ولما استقرّ نظامه ، ولكان لكل ذي سلطان أن يتصرف فيما له سلطان عليه ، ولذهب كل منهم مذهبا ، فمضى ذا مشرّقا ، ومضى ذاك مغرّبا .. وأخذ هذا يمينا ، وأخذ ذاك يسارا .. فيتصادم هذا الوجود ، وتتضارب الوجودات ، وينفرط عقدها ، وتتناثر أشلاؤها ..
فالإنسان مثلا ، وهو العالم الأصغر ، الذي يناظر العالم الأكبر .. يقوم على ملكة التفكير فيه ، عقل واحد .. ويقوم على تغذيته بالدم - الذي هو ملاك حياته - قلب واحد ..
وتصوّر أن يكون لإنسان عقلان .. ماذا يكون حاله؟ وكيف يكون مقامه فِي عالم البشر؟ إن لكل عقل مدركات ، وتصورات وتقديرات .. فبأى عقل يسير؟ وبأى عقل يحكم على الأشياء ويتعامل معها؟ إنه بهذين العقلين إنسانان لا إنسان واحد ..
إنه ذو شخصية مزدوجة ، تتصارع فيها العواطف والنوازع ، وتقتتل فيها الآمال والرغبات ، ثم لا يسكن هذا الصراع ، ولا ينتهى هذا القتال ، حتى يتحطم هذا الكائن العجيب ، الإنسان .. له رأسان ، أو عقلان ..!
وقل مثل هذا فِي القلبين ، اللذين يفسد أحدهما عمل الآخر ، وينقض أحدهما ما بناه صاحبه ..
واللّه سبحانه وتعالى يقول: « ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ » (4: الأحزاب) .
وقل مثل هذا فِي الجماعات البشرية .. إن كل جماعة يجب أن يكون على رأسها رأس واحد .. وإلّا فالتنازع والتصادم ، والفساد ..!
وقوله تعالى: « فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ » ..
هو تنزيه للّه سبحانه عما يصفه به الواصفون ، من صفات لا تخصّه بالكمال المطلق ، بل تجعل له شريكا فيها ، ويكون له بمقتضى ذلك سلطان مع سلطان اللّه ، وعرش كعرش اللّه .. فاللّه سبحانه منزه عن أن يكون على تلك الصفة ..