وقد نظرنا فلم نجد عند القوم على تقى السماوات دليلاً ولا شبه دليل، فإنه ليس عندهم أكثر من أنهم لم يروها بأنظارهم ولا مناظرهم أو بقية آلاتهم، وليس في ذلك متمسك لمن يعرف المنطق الصحيح، فإننا لا نعرف العناصر التي خلقت منه السماوات، وما يذكر في ذلك فهو كذب لا أصل له كما قلنا.
فيجوز أن تكون السماوات شفافة، بل هذا هو الذي يقررة الأقدمون فيقولون: إننا نرى كواكب الفلك الثامن"وهو فلك الثوابت عندهم"فيصلنا ضوء تلك الكواكب لكون السماوات شفافة، فإذاً يصح أن نقول: إنه يرى ما وراءها ولا ترى هي، شأن كل شفاف مع غيره، ويجوز أن تكون بعيدة عنا بعداً يمنع من رؤيتها، مع ملاحظة أن السماء تطلق بإطلاقات كثيرة على معان عديدة: فتطلق على الأفلاك، وتطلق على السحاب، كما قال تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ} على رأى كثير من المفسرين، وتطلق على كل ما أعلاك كما هو معروف.
وقد قال كثير من العلماء: أن الكواكب ليست مغروزة في السماء ولا مماسة لها: وإنما هي بين السماء والأرض، فتكون السماء من البعد
بمنزلة ما لا يرونه من النجوم، وقد قال الإمام أبو بكر بن العربي من أئمة المالمكية: إن السماء التي هي إحدى الأفلاك غير مرئية لنا."وهي مشتركة كما قلنا"وهؤلاء الناقون لا يستطيعون أن يقولوا أنهم رأوا كل ما في العالم العلوي، بل هم معترفون بالقصور عن ذلك تمام الاعتراف.
وقد بين عظمة العالم السماوي اللانهائي اللور أفيرى الإنجليزي أتم البيان في كتابه"محاسن الطبيعة"فانظره إن شئت، ويجوز أن يكون لديهم اشتباه طثير في ذلك العالم الذي لا يعلمه إلا الله، وكم اختطلت عليهم الأمور والتبست لديهم الحقائق واشتبهت عليهم الأحكام في العالم الأرضي فضلاً عن العالم السماوي، وكم بين المتقدمين والمتاخرين من علماء الهيئة من خلاف، وكم للفريقين من خيط وخلط.