ثم بعد أن خلقهم على حسب ذلك كلفهم لاستخراج سر ما تسبق به العلم التابع للمعلوم من الطوع والاباء اللذين في استعدادهم الأزلي وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين لتتحرك الدواعي ويهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ولا يكون للناس على الله تعالى حجة فلا يتوجه على الله تعالى اعتراض بخلق الكافر وإنما يتوجه الاعتراض على الكافر بكفره حيث أنه من توابع استعداده في ثبوته الغير المجعول ، وقد يشير إلى ذلك قوله سبحانه: {وَمَا ظلمناهم ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 118] وقوله عليه الصلاة والسلام:"فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه"وهذا وإن كان مما فيه قيل وقال ونزاع وجدال إلا أنه مما ارتضاع كثير من المحققين والأجلة العارفين ، وقال البعض: إن ذلك استئناف ببيان أنه تعلى لقوة عظمته الباهرة وعزة سلطنته القاهرة بحيث ليس لأحد من مخلوقاته أن يناقشه ويسأله عما يفعل من أفعاله إثر بيان أن ليس له شريك في الألوهية ، وضمير {هُمْ} للعباد أي والعاد يسألون عما يفعلون نقيراً وقطميراً لأنهم مملوكون له تعالى مستعبدون ، وفي هذا وعيد للكفرة ، والظاهر أن المراد عموم النفي جميع الأزمان أي لا يسئل سبحانه في وقت من الأوقات عما يفعل ، وخص ذلك الزجاج بيوم القيامة والأول أولى وإن كان أمر الوعيد على هذا أظهر واستدل بالآية على أن أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض والغايات فلا يقال فعل كذا لكذا إذ لو كانت معللة لكان للعبد أن يسأل فيقول لم فعل؟ وإلى ذلك ذهب الأشاعرة ولهم عليه أدلة عقلية أيضاً وأولوا ما ظاهره التعليل بالحمل على المجاز أو جعل الأداة فيه للعاقبة.
ومذهب الماتريدية كما في"شرح المقاصد"والمعتزلة أنها تعلل بذلك وإليه ذهب الحنابلة كما قال الطوفي وغيره.