وقال الشيخ العارف بالله شهاب الدين السُّهروردي في"عوارف المعارف": قيل لسهل بن عبد الله: هذا الذي يأكل في كل أربعين، وأكثر
مرةً؛ أين يذهب لهب الجوع عنه؟ قال: يطفئه النور.
قال: وقد سألت بعض الصالحين عن ذلك، فذكر لي كلامًا بعبارة دلت على أنه يجد فرحاً بربه ينطفئ معه لهب الجوع.
قال: وهذا واقع في الخلق أن الشخص يطرقه فرح - وقد كان جائعاً - فيذهب عنه الجوع، وهكذا في طَرق الخوف يقع ذلك. انتهى.
فإن قيل: قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الوصال في الصوم، فقيل له: إنك تواصل، فقال:"لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ؛ إِنَّ اللهَ يُطْعِمُنِيْ، وَيَسْقِيْنِي"، فهذا يخالفه ما تقدم؟
فالجواب: أن هذا النهي إنما هو في مقام الدَّعوة العامة، والتشريع لكافة الناس، ولئلا يتخذ الوِصال سنة جارية يتعاطاه القادر عليه والضعيف عنه، فيحتاج إلى التكلف، فأما من كان يقتات بالذكر بحيث يستغني عن الطَّعام والشَّراب فقد يقال في حقه بإباحة الوصال له خاصة.
وعلى ذلك يخرج أحوال من أسلفنا ذكرهم من السَّلف رضوان الله عليهم أجمعين.
وقد حكى القاضي عِياض رحمه الله تعالى عن ابن وهب، وإسحاق ابن راهويه، وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى: أنهم أجازوا الوصال.
وحكى ابن حزم أن ابن وَضَّاح من المالكية كان يواصل أربعة أيام.
وأطلق أكثر الشافعية العبارة بكراهية الوصال، واختلفوا هل هي كراهة تنزيه، أو تحريم على وجهين؛ أصحهما الثاني، وهو ظاهر كلام الشَّافعيِّ رضي الله تعالى عنه؛ فإنه قال بعد أن ذكر حديث النهي عن الوصال: وفرق الله تعالى بين رسوله وبين خلقه في أمور أباحها له، وحظرها عليهم.
وكذلك مذهب أبي حنيفة، ومالك - رضي الله عنهما -.