الوجه الثاني: أنه لو كان ثم إلهان لكانا مشتركين في خلق العالم وللزم العالم طاعتهما، فلو أمر أحدهما بشيء ونهى الآخر عنه، لم تتصور طاعتهما من الجميع، وإن أطاع كل واحد بعض العالم دون بعض، أوشك أن يعاقب من عصاه وأطاع الآخر، وأوشك الآخر أن يدافع عمن أطاعه، فيقع الحرب بينهما كسلطانين كل منهما يدافع عن رعيته، وذلك يفضي إلى فساد العالم لاختلافهما كما تفسد الرعية عند اختلاف ملوكها، واللازم باطل بما نراه من انتظام العالم، و [هذا تقرير الشيخ محيي الدين بن العربي في بعض كتبه المختصرة] .
وأما الفلاسفة فاحتجوا على التوحيد بأنه لو كان في الوجود إلهان لكانا قديمين، ولو كانا قديمين لاشتركا في وجوب الوجود، وامتاز كل منهما [بعين ماهيته وبعينه وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فيلزم أن يكون كل منهما] مركبا مما به/ [139 أ/م] الاشتراك والامتياز، وهما الوجوب والتعين فيلزم أن يكون القديم الواجب مركبا وأنه محال، واعترض عليه بجواز أن يكون تعينهما أمرا عدميا وهو كون عين كل واحد منهما ليست غيرها والعدم لا يتركب مع الوجود، فلا يلزم التركيب المنافي للوجوب، وهو سؤال قوي على دليلهم فتبين أن الطريقة الجيدة الثابتة على محل النظر هي طريقة القرآن
والتصرف في خلقه فلا يعترض عليه وهذه/ [295/ل] عمدة الجمهور في القدر وإليها يرجعون ويسمونها آية الدبوس.
وعند النظر فيما قررناه من سر القدر يتبين أن الأمر واضح بالمعقول لا بالدبوس.