فإن علموا كان مجرد حكمه كافياً في معرفة أنَّ الغالب هو الحسنات أو السيئات فلا فائدة في وضع الميزان، وإن لم يعلموا ذلك لم تحصل الفائدة في وزن الصحائف، لاحتمال أنه جعل إحدى الصحيفتين أثقل أو أخف ظلماً، فلا فائدة في وضع الميزان على كلا التقديرين.
والجواب: قال ابن الخطيب: أما على قولنا {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23] وَأَيْضًا فَفِيهِ ظُهُورُ حَالِ الْوَلِيِّ مِنَ الْعَدُّوِ فِي مَجْمَعِ الْخَلَائِقِ، فَيَكُونُ لِأَحَدِ الْقَبِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ السُّرُورِ وَلِلْآخَرِ أَعْظَمُ الْغَمِّ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ نَشْرِ الصُّحُفِ وَغَيْرِهِ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِ الْمَوَازِينِ الْحَقِيقِيَّةِ أَنَّ حَمْلَ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى مُجَرَّدِ الْعَدْلِ مَجَازٌ وَصَرْفُ اللَّفْظِ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ غَيْرُ جَائِزٍ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ فِي هَذَا الْبَابِ.
قَالَ قَوْمٌ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ يُنَاقِضُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً} ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا يُكْرِمُهُمْ وَلَا يُعَظِّمُهُمْ.
وإِنَّمَا جَمَعَ الْمُوَازِينَ لِكَثْرَةِ مَنْ تُوزَنُ أَعْمَالُهُمْ وَهُوَ جَمْعُ تَفْخِيمٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمَوْزُونَاتِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال: «حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ» ؟
فالوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار. والغرض المبالغة في أنَّ شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع عند الله. ثم قال: {وكفى بِنَا حَاسِبِينَ} .
قال السّديّ: مُحْصِينَ. والحَسبُ: معناه العد.
قال ابن عباس: عالمين حافظين، لأنَّ من حسب شيئاً علمه وحفظه.