وإذا كان بمعنى محصودين فلا حاجة، والمعنى: أنهم هلكوا بذلك العذاب حتى لم يبق حس ولا حركة، وجفوا كما يجف الحصيد وخمدوا كما تخمد النار.
{أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) }
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة تنشر، وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم بل كانوا في نهاية البعد عن هذه الدعوى، فإنهم كانوا مع إقرارهم بالله وأنه خالق السماوات والأرض منكرين للبعث، ويقولون:
{مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] فكيف يدعون ذلك للجماد الذي لا يوصف بالقدرة البتة؟
فالجواب: أنهم لما اشتغلوا بعبادتها، ولا بد للعبادة من فائدة، وهي الثواب، فإقدامهم على عبادتهم يوجب إقرارهم بكونهم قادرين على الحشر والنشر والثواب والعقاب، فذكر ذلك على سبيل التهكم بهم، والمعنى: إذا لم يكونوا قادرين على أن يُحْيوا أو يميتوا ويضروا وينفعوا فأي عقل يجوز اتخاذهم آلهة.
«فَإِنْ قِيلَ» : أي فائدة لقوله تعالى: {رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ} ؟
فالجَوابُ: أن هذه المناظرة وقعت مع عبدة الأصنام، وهي أنه كيف يجوز للعاقل أن يجعل الجماد الذي لا يعقل ولا يحس شريكاً في الإلهية لخالق العرش العظيم وموجد السماوات والأرضين.
قوله: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) }
اعلم أن أهل السنة استدلوا على أنه تعالى (لا يسأل عما يفعل) بأمور:
أحدها: أنه لو كان كل شيء معللاً بعلة كانت تلك العلة معللة بعلة أخرى ولزم التسلسل، فلا بد في قطع التسلسل من الانتهاء إلى ما يكون غنياً عن العلة، وأولى الأشياء بذلك ذات الله تعالى، وصفاته مبرأة من الافتقار إلى المبدع المخصص، فكذا فاعليته يجب أن يجب أن تكون مقدسة عن الاستناد إلى الموجب والمؤثر.