أحدهما: إنما كان ذلك شبه التشاور فيما بينهم، والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره، وعادة المتشاورين أن يجتهدوا في كتمان سرهم عن أعدائهم.
الثاني: يجوز أن يسروا نجواهم بذاك، ثم يقولوا لرسول الله والمؤمنين: إن كان ما تدعونه حقاً فَأخْبِرُونا بما أسررناه.
{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) }
«فاسئلوا أَهْلَ الذكر» يعني علماء أهل الكتاب حتى يعلموهم أن رسل الله الموحى إليهم كانوا بشراً، ولم يكونوا ملائكة، وإنما أحالهم على أولئك، لأنهم كانوا يتابعون المشركين في معاداة الرسول، وأمر المشركين بمُساءلة أهل الكتاب، لأنهم إلى تصديق من لم يؤمن بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقرب منهم إلى تصديق من آمن قال تعالى: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيراً} [آل عمران: 186]
«فَإِنْ قِيلَ» : إذا لم يوثق باليهود والنصارى فكيف يجوز أن يأمرهم بأن يسألوهم عن الرسل؟
فالجواب: إذا تواتر خبرهم وبلغ حدّ الضرورة جاز ذلك، لأنَّا نعلم بخير الكفار إذا تواتر كما نعلم بخبر المؤمنين. وقال ابن زيد: أراد بأهل الذمر المؤمنين، وهو بعيد، لأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي الرسول.
{جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15) }
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف ينصب «جعل» ثلاثة مفاعيل؟
فالجواب أن «حصيداً» و «خامدين» يجوز أن يكون من باب حلو حامض، كأنه قيل: جعلناهم جامعين بين الوصفين جميعاً. ويجوز أن يكون «خامدين» حالاً من الضمير في «جَعَلْنَاهُمْ» ، أو من الضمير المستكن في «حَصِيداً» فإنه في معنى محصود. ويجوز أن يكون في باب ما تعدد فيه الخبر نحو: «زيد كاتب شاعر» . وجوَّز أبو البقاء فيه أيضاً أن يكون صفة ل «حصيدا» ، وحصيد بمعنى محصود كما تقدم فلذلك لم يجمع. وقال أبو البقاء: والتقدير: مثل حصيد فلذلك لم يجمع كما لم يجمع «مثل» المقدر انتهى.