ولما نزلت هذه الآيات الثلاث دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المسجد وصناديد قريش في الخطيم ، وكان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما ، فعرض له النفر من قريش منهم النضر بن الحارث ، فكلمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى أفحمه ، ثم تلا عليه هذه الآيات الثلاث ، وقام فأقبل عبد اللّه الزبعرى السهمي ، فأخبره الوليد بن المغيرة بما قاله حضرة الرسول ، فقال ابن الزبعرى أما واللّه لو وجدته لخصمته ، فدعوا رسول اللّه فقال له ابن الزبعرى أنت قلت إنكم وما تعبدون الآيات ؟ قال نعم ، قال أليست اليهود تعبد عزيرا والنصارى المسيح ، وبنو مليح الملائكة ، أهؤلاء في النار ؟
قالوا فضحكت قريش وارتفعت أصواتهم وفرحوا على زعمهم أنه حجّ محمدا ، ولم يعلموا أن هؤلاء بمعزل عن أن يكونوا معبودين ، قال تعالى في حق عيسى (ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ) الآية 117 من المائدة في ج 3 ، وقال بحق الملائكة (سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ) الآية 41 من سورة سبأ المارة ، وقال تعالى في حق عزير (أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الآية 259 من البقرة في ج 3 ، بعد أن ضرب اللّه به المثل ، ثم التفت صلّى اللّه عليه وسلم إلى ابن الزبعرى وقال بل هم يعبدون الشيطان لا هؤلاء ، ثم قال له ما أجهلك بلغة قومك ، وذلك أن ما وضعت لما لا يعقل ، فيكون ما ذكر غير داخل في الآية ، لأنها لم تأت بلفظ من الموضوعة لمن يعقل ليصح الاحتجاج بها ، لأنها جاءت لحمل الآية على حقيقتها ورفع احتمال المجاز لا لتخصيص العام المتأخر عن الخطاب كما قاله بعض المفسرين ، وبما أن ما صريحة هنا بأنها لغير العقلاء فلم يتجه خلط ابن الزبعرى ، وهذا بعد أن قال له ذلك حضرة الرسول نكس رأسه ، وخسئ هو ومن معه ، وتفقئوا خجلا وحياء بعضهم من بعض ،
ثم أنزل اللّه بعدها"إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى"كعيسى وعزير