و ذلك أن الأنبياء عليهم السلام تحققوا أن كل شيء كان أو يكون مسبوق بالإرادة ، والإرادة مسبوقة بالعلم ، والعلم تابع المعلوم فيتعلق به على ما هو عليه ، في ثبوته غير المجهول مما يقتضيه استعداده الأزلي ، ثم بعد أن خلق الخلق على حسب ذلك كلفهم استخراج سرّ ما سبق به العلم التابع للمعلوم من الطوع والإباء اللذين في استعدادهم الأزلي ، ولذلك أرسل الرسل إليهم مبشرين ومنذرين لتتحرك الدواعي فيهم فيهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيى عن بيّنة ، ولئلا يكون للناس على اللّه حجة ، فلا يتوجه عليه اعتراض بخلق الكافر ، وإنما يتوجه الاعتراض على الكافر
بكفره ، إذ أنه من توابع استعداده في ثبوته غير المجهول ، ويشير إلى هذا قوله تعالى (وَما ظَلَمْناهُمْ) الآية 102 من سورة هود المارة ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم: من وجد خيرا فليحمد اللّه ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
وقد أشار الشافعي رحمة اللّه إلى بعض هذا في قوله:
خلقت العباد على ما علمت ففي العلم يجري الفتى والمسن